الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٠٣
على الإمارات الصليبية في الشرق. و كانت له علاقات تحالفية مع كلج أرسلان، أمير قونيا السلجوقي الذي كان زاره في القسطنطينية (١١٦١ م)، و أمضى في ضيافته ٨٠ يوما. لكن مانويل، بعد أن شعر بقوته، خرج لقتال كلج أرسلان، و قاد الحملة بنفسه، بهدف احتلال قونيا (١١٧٦ م). غير أن كلج ألحق به هزيمة نكراء في معركة ميريو سيفالو، إذ بالكاد استطاع الإمبراطور أن ينجو بنفسه. و مع ذلك، عقد الطرفان صلحا مشرفا لمانويل الضعيف. و زاد في أزمة الإمبراطور عقد معاهدة فينيسيا (١١٧٧ م)، التي وضعت حدا للخلافات بين ملوك أوروبا، فحرمت مانويل من المناورة. و بذلك تدهور موقع بيزنطة، في الشرق كما في الغرب، و انتهزت الإمارات الصليبية الفرصة للتحرر من سيادة الإمبراطور عليها.
في هذه المرحلة- السبعينات من القرن الثاني عشر- كانت مملكة أورشليم اللاتينية في ذروة اتساعها. ففي الشمال كانت حدودها على نهر المعاملتين، بين جبيل التابعة لإمارة طرابلس، و بيروت التابعة للمملكة. و من هناك على طول الساحل حتى دير البلح (دارون). و من بيروت شرقا إلى منابع الأردن و سفوح جبل الشيخ.
و من هناك جنوبا، إذ ضمت أجزاء من الجولان و الجلعاد، و كل منطقة مؤاب حتى أيلة. و في الجنوب الغربي، كان خط الحدود يمتد بين أيلة و دير البلح، عبر صحراء النقب. و هذه الدولة الواسعة و القوية، راحت تواجه دولة أخرى تتعاظم قوة في الشمال الشرقي، بينما تسعى لضم مصر إليها، مستندة في عملها هذا إلى الدعوة إلى الجهاد ضد الفرنجة في الشرق. و بعد موت نور الدين زنكي (١١٧٤ م)، و تولي صلاح الدين الأيوبي مكانه، موحّدا بذلك مصر و سورية، و من ثمّ سقوط حلب في يده (١١٨٣ م)، وضع صلاح الدين مملكة أورشليم اللاتينية بين فكي كماشة- مصر و سورية- بقيادة موحدة، تمتلك خطة مركزية لمواجهة الفرنجة.
بعد الحملة الثانية، كان واضحا أن الكفة تميل لغير مصلحة الفرنجة في الشرق. و بينما كان المسار العام في الإمارات الصليبية هو الصراع من أجل الانفصال و التفتت، كان العكس صحيحا في الجانب الإسلامي، حيث الصراع محتدم من أجل التوحيد، و يقوده صلاح الدين الأيوبي، بعد موت نور الدين زنكي. و كان صلاح الدين يقوم بهجمات محدودة على أطراف مملكة أورشليم منذ أيام نور الدين- غزة (١١٧٠ م) و الشوبك و أيلة (١١٧١ م) و الكرك (١١٧٣ م). و لكن منذ سنة ١١٧٧ م، أصبح قتال الفرنجة يتخذ لدى صلاح الدين صيغة خطة مبرمجة، ترمي إلى تصفية مملكتهم في الشرق. ففي ذلك العام، هاجم دير البلح و غزة، و احتل الرملة، و فرض حصارا على اللد، و وصل إلى أرسوف، لكنه هزم في معركة جيزر، على يد بولدوين