الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ٢٠
النباتي فيها. و بناء عليه، هجرتها قطعان الحيوانات إلى مناطق نباتية غنية، و سار الإنسان الصياد في إثرها، و كما يبدو على شكل قبائل. أمّا من تبقى من تلك القبائل في المنطقة، فقد وجب عليه الاقتناع بالقليل، و الاعتياد على الأوضاع الجديدة: صيد الحيوانات الصغيرة نسبيا و الأسماك، الأمر الذي أدّى بطبيعة الحال إلى تطوير أدوات الصيد. فهذا التراجع الاقتصادي العام، ترافق مع ظهور الأدوات الصوانية الصغيرة(Microliths) ، ذات الأشكال الهندسية المتعددة، التي ركّبت على أنصبة من مواد عضوية كالخشب و العظام و القرون.
و يعتقد العلماء أن الإنسان الذي صنع حضارة الباليوليت الأعلى الراقية، امتلك صفات جسدية متطورة: دماغا كبيرا لا يقل حجما و أهلية عن دماغ الإنسان الحالي، و ملامح أكثر نعومة، و هيكلا عظميا شبيها جدا بالذي ينتصب عليه الإنسان الحديث.
و الواضح أنه كان صاحب يدين ماهرتين و رشيقتين، بصورة لم يسبق لها مثيل، الأمر الذي مكّنه من صنع أدوات أكثر تشذيبا من تلك التي صنعها النياندرتال. و يبرز ذلك في صناعة الشفرات الطويلة و الجميلة، التي كانت نتاج تقنيات جديدة، و على درجة عالية من الرقي. و هذه التقنيات تظهر ذكاء و مهارة و خيالا لدى إنسان الباليوليت الأعلى لم تسجّل من قبل، فوفرت له المزيد من الغذاء.
تميّز هذا الإنسان من سلفه ببناء المساكن، و إذ لم يهجر المغاور هجرا كاملا، فإنه تعدّاها إلى إقامة البيوت المستديرة في جوارها. و هذه البيوت- كما يظهر- عبارة عن أكواخ و خيام، تقام على مصاطب محفورة، أو محاطة بالحجارة أو بأكوام التراب. و السقف فيها من جلود الحيوانات، تقوم على دعائم مائلة، يشبّهها البعض بخيام الهنود الحمر في أميركا. كما أن هذا الإنسان هو أول من عرف الإضاءة المنزلية مستخدما لذلك سراجا حجريا، يغذيه بدهن الحيوان. و يقدر الباحثون أن تنوع الأواني المنزلية، و كذلك تطور أدوات العمل و الصيد، و رقي أغراض الزينة، تفترض نوعا من التخصص في العمل. و بالتالي قيام المشاغل الحرفية الأولى.
و لعل الإنجازات الأكثر أهمية لإنسان الباليوليت الأعلى في أوروبا، الذي تفوق على معاصره في الشرق الأدنى، كما تدل المكتشفات حتى الآن، تبرز من خلال ميزاته الفكرية و الروحية التي لا سابق لها. و هي تتجلى على الخصوص في ميوله الفنية، التي عبّر عنها بالرسوم الملونة على جدر المغاور العميقة، و التي تبهر الأنظار بجمالها و دقة تعبيرها، الأمر الذي يوحي بأهميتها الدينية. و الواضح أنه امتلك حسا فنيا ملحوظا في صناعة أدوات الزينة من عقود و أعلاق و أساور، إذ أتقن نظم الأصداف الملونة، كما مهر بالحفر على العاج، و استعمال الأصباغ للأموات و الأحياء، و الاعتناء