الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٩٧
البلاد و داخلها. و في الواقع، فإنهم حتى قبل دخول القدس كانوا قد قطعوا شوطا على هذا الصعيد. و كانت بيت لحم قد استسلمت، و كذلك فعلت أريحا و نابلس، عندما استولى تانكرد، قريب بوهيمند، على طبرية و بيسان، و جعل طبرية عاصمة لإمارة الجليل، التي لم تعمّر طويلا. و بعد أن سيطروا على الداخل، وجد الصليبيون أنفسهم في موقف حرج، ذلك لأن الساحل لم يكن بأيديهم، الأمر الذي عزلهم عن أوروبا- مصدر تزويدهم بالعتاد و المؤن و الرجال و الخيل و المال. و صحا الفاطميون على هذه الحقيقة، و لو متأخرا، و حاولوا استغلال هذا الواقع، لكنهم لم يفلحوا كثيرا، في غياب النية الجادة، بل القدرة العملية، على اقتلاع الصليبيين من الشرق.
لقد كانت أولوية الفاطميين تتمحور حول الصراع الداخلي و التنافس مع السلاجقة، فسعوا للتفاهم مع الصليبيين. و بذلك فوتوا على أنفسهم فرصة جيدة لاجتثاث الخطر الصليبي في المهد، و هو يعاني حالة الضعف و العزلة.
و عندما حاول الفاطميون مواجهة الصليبيين، هزموا في معركة برية بالقرب من عسقلان في آب/ أغسطس ١٠٩٩ م، انتقل بعدها الصليبيون لاستكمال احتلال مدن الساحل: فسقطت يافا، بعد أن هجرها سكانها، و تحولت إلى الميناء الرئيسي الذي عبره جرى تزويد المملكة الجديدة بوسائل الحياة من أوروبا. و في هذه الأثناء مات غودفري، و احتل مكانه أخوه بولدوين، الذي انتقل من إديسا إلى القدس. و باعتلائه عرش المملكة، تحرك بنشاط كبير. و خلال عشر سنوات أصبحت أغلبية مدن الساحل في يده، الأمر الذي مكّن أساطيل المدن الإيطالية التجارية من التصدي للأسطول الفاطمي القوي، و الحؤول دون تمكنه من إقامة رأس جسر على الساحل لمقاتلة المملكة اللاتينية. و في المقابل، تعهدت تلك الأساطيل بنقل أنواع الدعم اللازم جميعها لهذه المملكة، التي لا تزال في طور التكوين، من أوروبا، لقاء امتيازات تجارية تمنح للمدن الإيطالية في مدن الساحل السوري التي تقع في أيدي المملكة.
و بمساعدة أساطيل المدن الإيطالية، جرى احتلال مدن الساحل، و بالتالي إقامة الصلة مع الإمارات الأخرى في الشرق- أنطاكيا و طرابلس. ففي آب/ أغسطس ١١٠٠ م سقطت حيفا، و كان ميناؤها يضم دارا لصناعة السفن، أقامه الفاطميون.
و بعدها أرسوف في نيسان/ أبريل ١١٠١ م، ثم قيساريا في السنة نفسها. أمّا عكا فصمدت بفضل أسوارها القوية إلى أيار/ مايو ١١٠٤ م. و بقيت بيروت حتى سنة ١١١٠ م، و كذلك صيدا. أمّا صور فقد قاومت حتى سنة ١١٢٤ م، الأمر الذي اضطر الصليبيين إلى إقامة قلعتين للدفاع عن الطريق المؤدي منها إلى الداخل: الأولى في تبنين (١١٠٧ م)، و الثانية إسكندرون (١١١٦ م). أمّا عسقلان، فقد ظلت قاعدة