الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٩٦
التوصل إلى معاهدة مع الصليبيين، يقتسم بموجبها الطرفان الساحل السوري. لكن المفاوضات التي أفادت الصليبيين، و مكنتهم من احتلال أنطاكيا في حزيران/ يونيو ١٠٩٨ م لم تؤدّ إلى اتفاق. و في أنطاكيا، و على الرغم من معارضة قادة الجيوش الأخرى، أقام بوهيمند النورماني إمارة ثانية، أثارت غضب الإمبراطور ألكسيوس، الذي رأى فيها خطرا يهدد بيزنطة نفسها.
و بعد تلكؤ دام عدة أشهر، بسبب الخلافات الداخلية، و التي انتهزها سلطان الموصل، برقياروق، لمحاصرة الصليبيين في أنطاكيا، إذ ضيق الخناق عليهم من دون القدرة على دحرهم، واصلوا تقدمهم جنوبا في اتجاه فلسطين. فأخذوا معرّة النعمان، و قاموا بمذبحة كبيرة فيها، و منها انتقلوا إلى شيزر، فوادعهم صاحبها، ثم إلى عرقة، فحاصروها، و كانت وجهتهم الطريق الساحلي. و جاءهم وفد فاطمي للتفاوض مرة أخرى، و لكن من دون جدوى، فسارع هؤلاء إلى تعزيز مواقعهم الدفاعية في صور و عكا و القدس (١٠٩٨ م). و أخذ الصليبيون طرابلس، و أقاموا فيها لاحقا إمارة ثالثة، على رأسها ريموند دو طولوز. و تابعوا تقدمهم جنوبا مرورا ببيروت من دون احتلالها، و كذلك صيدا و صور، لأن هذه المدن لم تبد مقاومة، بل قدمت لهم المؤن و التسهيلات. و اختار القادة الصليبيون التقدم نحو القدس، تحت ضغط جموع المقاتلين لاستكمال الحج إلى الأماكن المقدسة.
و تخلف عدد من المقاتلين في الإمارات التي تأسست حديثا- إديسا و أنطاكيا و طرابلس- و لم يبق كثيرون منهم للزحف على القدس. و استجاب ريموند دو طولوز لنداء غودفري دو بويون و تابعا طريقهما إلى القدس. و في أيار/ مايو ١٠٩٩ م، ظهر هذا الجيش على الطريق الساحلي المؤدي إلى فلسطين من لبنان. و أفزع ظهوره حكام المدن الساحلية، فوافقوا على تقديم المؤن و المال للصليبيين في مقابل تخطي هؤلاء مدنهم من دون حصار. و سار الجيش الصليبي أمام عكا و حيفا و أرسوف، و وصل إلى قيساريا. و من هناك انعطف إلى الرملة، عاصمة فلسطين، فهجرها أهلها، و احتلها الصليبيون، و تابعوا مسيرتهم إلى القدس. و امتنعت عليهم المدينة، فحاصروها من ٧ حزيران/ يونيو إلى ١٥ تموز/ يوليو ١٠٩٩ م. و سقطت في أيديهم، و قاموا بمذبحة رهيبة بالسكان المحليين، الذين يقدر عددهم ما بين ٢٠ إلى ٣٠ ألف نسمة.
و استنكف ريموند، لأسباب دينية، عن تولي الملك في القدس، و قبل به غودفري، و حمل لقب «بارون- حامي كنيسة القيامة المقدسة». أمّا ريموند فعاد لإقامة إمارته في طرابلس، بلقب كونت.
و بعد تأسيس مملكة أورشليم اللاتينية، توجه قادتها إلى استكمال احتلال ساحل