الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٩٥
حملة بيتر الراهب، بدأت قوات الحملة الصليبية النظامية الأولى تتجمع في غرب أوروبا. لم يشارك فيها ملوك أوروبا، و إنما الكونتات و الدوقات و الأمراء فقط. و يبرز بين هؤلاء: غودفري دو بويون (دوق لورين)، و أخوه بولدوين، اللذان أصبحا لاحقا ملكين في مملكة أورشليم اللاتينية، و روبرت (دوق نورماندي)، أخو ملك بريطانيا و هيو (كونت فيرماندوا)، أخو ملك فرنسا و روبرت الثاني (كونت فلندرز) المعروف ب «الفظ» و ريموند (كونت طولوز) و بوهيمند (النورماني) و قريبه تانكرد، من جنوب إيطاليا. و كان هذان الأخيران الأقل حماسة دينية، و الأكثر طمعا ماديا، و كانت لهما عداوة مع إمبراطور بيزنطة، و قد راودتهما أحلام احتلال القسطنطينية. و كان جيشهما هو الأكبر في هذه الحملة متعددة القادة. و إلى جانب القادة العسكريين، انضم إلى الحملة بطرس الناسك و الأسقف أديمار، ممثلين الكنيسة.
و كان على هذه الجيوش أن تتجمع في القسطنطينية قبل الدخول إلى أراضي السلطنة السلجوقية، فأخذ بعضها طريق البر، و الآخر طريق البحر. و لم تكن لتلك الجيوش المتعددة قيادة موحدة، أو خطة شاملة. و كانت فرنسا تشكّل الثقل الرئيسي في الحملة. و تركت هذه الجيوش أيضا أثرا سلبيا في سكان المناطق التي عبرتها، لكنها كانت أكثر إزعاجا للإمبراطور ألكسيوس. لقد أراد هذا اعتبارهم مرتزقة، و طالبهم أن يقسموا يمين الولاء له، بصفته الحاكم الأعلى، لكن ذلك لم يحدث، و حتى الاتفاقات التي تمّ التوصل إليها، بإعادة أملاك الإمبراطور التي أخذها منه السلاجقة عند انتزاعها منهم، لم يجر الوفاء بها. و مع ذلك، و على الرغم من الاتهامات و الشكوك المتبادلة بين الأطراف جميعها المنخرطة في العملية، فقد تمّ نقل القوات إلى آسيا الصغرى، بمساعدة أسطول بيزنطة، و بدأت الحرب، بمشاركة اسمية من جيش الإمبراطور، مع السلاجقة في سلطنة روم، التي لم يأت أحد لنصرتها من الإمارات الأخرى.
و بداية في حزيران/ يونيو ١٠٩٧ م، و بعد حصار قصير، استسلمت نيقيا، فأعيدت إلى بيزنطة بحسب الاتفاق مع الإمبراطور. و بعدها في تموز/ يوليو ١٠٩٧ م سقطت دوريليوم، و بالتالي سقط غرب آسيا الصغرى و أعيد إلى البيزنطيين، و انسحب السلاجقة إلى الداخل. ثم توجه جزء من الصليبيين، بقيادة بولدوين، في اتجاه إديسّا (الرها) و فتحها (١٠٩٨ م) و أقام فيها أول إمارة لاتينية في الشرق، فأصبحت بواقع الجغرافيا خط الدفاع الأول عن الإمارات الصليبية الأخرى في مواجهة السلاجقة. أمّا الجزء الآخر، و هو الأكبر، فقد تقدم لحصار أنطاكيا في تشرين الأول/ أكتوبر ١٠٩٧ م، و طال الحصار تسعة أشهر، حاول في أثنائها الفاطميون