الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٨٩
العام. أمّا في الأساس، فهي، و بصورة عامة، استمرار لصراع دام عدة قرون، من دون أن يحسم لمصلحة أي من الطرفين.
و الحقيقة التاريخية تفيد أنه منذ بروز العرب على مسرح التاريخ في الشرق الأدنى، كقوة سياسية ذات وعي ذاتي بعروبتها، كان ذلك على علاقة بالإمبراطورية الرومانية و وارثتها البيزنطية. فالأنباط و التدمريون و الغساسنة، و حتى اللخميون بمنظور معين، خبروا علاقات صداقة و عداء مع هذه الإمبراطورية. و بظهور الإسلام، و ما تلا ذلك من حركة الفتوح، تقدم العرب خطوة كبيرة نحو وراثة بيزنطة كدولة ذات منظور كوني. و قد تأرجحت هذه الفكرة في أفقها بين مدّ و جزر خلال العصور، و بالتالي تقلب ردة الفعل البيزنطية على هذا التحدي. و كان الطابع الهجومي هو في الأغلب على الجانب الإسلامي، بينما غلب على الجانب البيزنطي طابع الدفاع، بعد النصر الذي حققه المسلمون في عصر الفتوح، و لاحقا في أيام الأمويين. و في فترات معينة من أيام العباسيين، انتهز أباطرة بيزنطة الفرص المواتية للانتقال إلى حالة الهجوم بهدف استرداد ما فقدوه من أراض في الشرق. إلّا إن الحدود استقرت بصورة عامة بين دار الإسلام و دار الحرب.
و تعدد الكتابات المعاصرة أسبابا كثيرة للحملات الصليبية- دينية و اقتصادية و سياسية، و اجتماعية .. إلخ. لكن أغلبية الكتّاب تكتفي بذكر الأسباب، من دون تقديم بعضها على بعض، أي ترتيبها بحسب الأهمية و الأولوية، و بالتالي أثرها المباشر في اندلاع الصراع. و على العموم، فإن هؤلاء الكتّاب يتوجهون إلى دراسة التطورات الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في أوروبا، من جهة، و أوضاع المسيحيين في الشرق عامة، و الحالة في القدس خاصة، من جهة أخرى. و لا بدّ من الإشارة إلى أن الأسباب التي يرد ذكرها كانت في أغلبيتها قائمة منذ زمن طويل، من دون أن تؤدي إلى حروب صليبية. و حروب الحدود، و تعديلها في هذا الاتجاه أو ذاك، ظلت مستمرة لفترة طويلة من دون أن تدفع إلى المواجهة العامة.
و أوضاع المسيحيين في الشرق، و كذلك الحالة في القدس، لم يطرأ عليها تغيير جذري يستوجب مثل هذه الحرب الضروس. و كذلك الأمر بالنسبة إلى الصراع الاقتصادي و التطورات الاجتماعية في كل من أوروبا و الشرق. و يبقى الحدث المهم الذي طرأ عشية تلك الحروب هو التهديد السلجوقي للقسطنطينية.
لقد سحق السلاجقة الجيش البيزنطي في معركة مانجكرت (ملازجرت)، سنة ١٠٧١ م. و أقاموا سلطنة روم في قونيا (أيكونيوم- إزنك)، في مقابل القسطنطينية (١٠٧٧ م). و في السنة نفسها ١٠٧١ م، دخل أطسيز القدس. أمّا إمبراطور بيزنطة