الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٨٨
حساب الدينية، من دون إلغائها تماما. فالدين، و طوال قرون في العصور الوسطى، و ذلك على الجانبين، كان يؤدي دورا رئيسيا في حياة الناس، كقاسم مشترك للشعوب المنضوية تحت لواء القوتين العظميين المتناحرتين- الخلافة الإسلامية و الإمبراطورية البيزنطية. و لتحريك الناس على الجانبين، قبل اندلاع الصراع و بعده، لجأ القائمون على إدارته إلى استثارة العواطف الدينية لحشد القوى و زجها في المعركة. و هذا يبرز من خلال الوثائق على الجانبين أيضا. و الأطروحات التبريرية، من هذا الجانب أو ذاك، لا تضيف كثيرا لتوضيح القضايا، بقدر ما تلقي عليها ظلالا من الغموض.
و البحث الموضوعي يشير إلى أنه حتى في الحملة الأولى اقترنت الأهداف الدينية بالدنيوية، و إزاء الحزب الديني كان هناك آخر سياسي. و بالتأكيد فإنه بمرور الزمن و تعاقب الحملات، نما الطابع السياسي على حساب الديني لهذه الحروب.
إن الحكم على ظاهرة كالحملات الصليبية، شكلا و مضمونا، لا يستقيم من دون ربطها بالظواهر الأخرى التي و اكبتها زمانا و مكانا، لاستجلاء دوافعها و مسار تطورها و تبلور نتائجها. و في هذه الحالة، كثيرة هي الدراسات من منظور أحادي الجانب، و بعضها ينطلق محكوما بموقف أيديولوجي مسبق، يخرجها عن الجدية، و يضعها في مصاف الأطروحات التبريرية. و إذا كان التاريخ ليس الحقيقة، أو على الأقل ليس كلها، فإنه بالتأكيد لا يستوي بتجاهلها، و إنما على العكس، يكتسب صدقية أكثر كلما توخاها و بحث عنها. و في قضية خلافية كالحروب الصليبية، و إذ تصعب معالجتها بتجرد، فإن النزعة التبريرية، أو التعبوية المنطلقة من اعتبارات آنية، لا تصيب الهدف. لقد نشبت هذه الحروب بحركة تاريخية جدلية و ذلك في ظروف الزمان و المكان، و على المؤرخ الكشف عن عناصر هذه الحركة، قدر المستطاع، و التقليل قدر الإمكان، من الإسقاطات الراهنة، أو المواعظ الأخلاقية و التفسيرات التبريرية.
و يلفت النظر أنه في الكثير من الكتابات عن الحملات الصليبية يغيب دور بيزنطة فيها، على الأقل في تبلور الفكرة، و لاحقا في تجسيدها. و لأن الأطراف الفاعلة في الصراع كانت أوروبية غربية، من جهة، و شرقية إسلامية، من جهة أخرى، فقد جرى إغفال دور القوة الواقعة في الوسط- بيزنطة. كما تغيب عن الصورة العامة في معالجة هذه الحملات المقدمات التي مهدت السبيل أمامها. فطوال قرون كان هذا الصراع، بصورة أو بأخرى، مستعرا من إسبانيا في الغرب، مرورا بالبحر الأبيض المتوسط و جزره المهمة، وصولا إلى الشرق- بين بيزنطة و الخلافة الإسلامية. و بناء على هذه الخلفية، لم تكن الحملات الصليبية ظاهرة جديدة إلّا من حيث الإطار