الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٨٣
في تونس، و الأمويين في الأندلس، توجه الفاطميون شرقا. و بقيادة جوهر الصقلي (الرومي)، دخل جيش المعزّ الفسطاط، و بادر مباشرة إلى تخطيط مدينة جديدة في جوارها هي قاهرة المعز (٩٦٩ م) التي أصبحت عاصمة الفاطميين (٩٧٣ م). و بانتقال المعزّ إلى مصر، أصبح الفاطميون جزءا من الصراع في الشرق، و بالتالي أصبح الاستيلاء على بلاد الشام، و بداية على فلسطين، ركنا من استراتيجية عملهم لانتزاع الخلافة من أيدي العباسيين، و تحقيق هدفهم المعلن بحقهم المطلق بالخلافة، كونهم من نسل فاطمة، ابنة الرسول (ص).
و في الواقع، فإن الفاطميين لم يتأخروا كثيرا في غزو فلسطين بعد انتزاعهم مصر من أيدي الإخشيديين، كخطوة أولى في الطريق إلى بغداد- مقر الخلافة العباسية المنافسة، و لو اسميا. و لم يجد جعفر بن فلاح، قائد الحملة الفاطمية على بلاد الشام، أيام المعز لدين اللّه، صعوبة كبيرة في إلحاق الهزيمة بعامل الإخشيديين على فلسطين، في معركة قرب الرملة (٩٦٩ م). و توجّه بعد ذلك إلى طبرية- عاصمة جند الأردن- فدخلها صلحا. و من هناك، تابع مسيرته إلى دمشق، التي كان وجهاؤها قد جاؤوا جعفر في طبرية لعقد الصلح معه، فأساء معاملتهم، الأمر الذي دعاهم إلى المقاومة، و لكن من دون جدوى. و وقعت دمشق في يده، و أقيمت الخطبة فيها للمعز في العام نفسه. و تجدر الإشارة إلى أن العوامل التي سهلت على الفاطميين فتح بلاد الشام، هي نفسها التي حالت دون استقرار حكمهم فيها.
فحالة التفتت التي سادت بلاد الشام عشية الحملة الفاطمية، و الصراعات بين القوى المحلية- الحمدانيين و الإخشيديين و القرامطة و القبائل العربية المحلية الأخرى- في غياب قوة مركزية واحدة، سهلت على الفاطميين احتلال البلاد عسكريا، و لكنها في الوقت نفسه أثقلت عليهم ضبط الأوضاع فيها و إحكام السيطرة عليها. لقد كان القضاء على الإخشيديين سهلا. و الحمدانيون الذين حشروا بين الفاطميين و البيزنطيين، كانوا في وضع صعب نتيجة النشاط العسكري البيزنطي، مع أن ميولهم كانت فاطمية، إذ كانوا من الشيعة أيضا. أمّا العامل الأخطر، فكان تحالف القبائل العربية المحلية مع القرامطة، الذين عادوا إلى التمرد و مقاتلة الفاطميين، المرة تلو الأخرى، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام الإمبراطور البيزنطي، تسيمسكس للتوغل عميقا في بلاد الشام، وصولا إلى بيسان بعد دمشق (٩٧٥ م).
ففي السنوات الأولى من حكم الفاطميين (٩٧١ م)، استطاع القرامطة، بقيادة الحسن الأعصم، إلحاق الهزيمة بجيش الفاطميين، و قتل قائده، جعفر بن فلاح.
و كان ذلك بالقرب من دمشق، فسقطت في أيديهم. و طارد الأعصم جيش الفاطميين،