الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٨١
الإمبراطورة آيرين على مصالحته لقاء جزية كبيرة تدفعها سنويا. و بعد الرشيد قام المأمون بعدد من الغزوات الوقائية، كانت تحمل طابع الردع. و بعد موت المعتصم، و تزايد تدخل الجيش التركي في شؤون الخلافة، انتهز البيزنطيون الفرصة و انتقلوا إلى الهجوم.
و تخلي العباسيين عن المشروع الأموي في وراثة بيزنطة، أدّى إلى أن تصبح بلاد الشام في نظرهم ولاية حدودية هامشية. و عندما دبّ الضعف في مركز الخلافة، ازداد إهمال هذه الولاية، فسادت فيها الفوضى، الأمر الذي أغرى البيزنطيين باستعادتها. و يروى أن المتوكل (٨٤٧- ٨٦١ م) عزم على الانتقال من سامرّاء إلى دمشق، هربا من هيمنة العسكر الترك على شؤون الحكم، لكنه عدل عن ذلك تحت ضغطهم. و في الربع الأخير من القرن التاسع، و بعد فترة من الصراع الداخلي، تولت السلطة في بيزنطة سلالة جديدة من الأباطرة- المقدونية- (٨٦٧- ١٠٨١ م).
و بادر هؤلاء إلى فتح الصراع مجددا مع الخلافة العباسية. و بعد نجاحات أولية حققها الإمبراطور بازل الأول، عادت الحرب لتتخذ طابع المراوحة و الغزوات المتبادلة، و ذلك لأن هذا الإمبراطور، الذي جعل الصراع مع الخلافة الإسلامية في أعلى سلم أولوياته، لم يفلح في استنفاد الفرص المواتية التي توفرت له.
و استمر الصراع الحدودي بين بيزنطة (دار الحرب) و دار الإسلام خلال القرن العاشر الميلادي. و برزت فيه منذ نحو منتصف هذا القرن إمارة الحمدانيين في شمال سورية. و هذه السلالة العربية التغلبية، أقامت عاصمتها سنة ٩٢٩ م في الموصل، ثم توسعت غربا، و ضمت جندا حلب و حمص إليها. و اشتهر من أمرائها سيف الدولة (٩٤٤- ٩٦٧ م)، الذي قضى حياته في الصراع الحدودي مع بيزنطة. و إذ حقق نجاحا في البداية، و احتل مرعش مسقط رأس الأباطرة السوريين، الذين أداروا الصراع مع العباسيين في القرن الثامن الميلادي، إلّا إن الكفة مالت لاحقا لمصلحة البيزنطيين.
ففي سنة ٩٦١ م، احتلّ نيسفوروس فوكاس مدينة حلب من دون القلعة، ثم انسحب.
و عندما أصبح إمبراطورا (٩٦٣- ٩٦٩ م) احتل قبرص، ثم كيليكيا، ثم أنطاكيا، التي ظلت في أيديهم حتى سنة ١٠٨٤ م. و في سنة حكمه الأخيرة، احتلت حلب ثانية، و أجبر أميرها سعد الدولة (٩٦٧- ٩٩١ م) على الرضوخ لشروط صلح مذل.
و بعد فوكاس، تابع خليفته تسيمسكس (٩٦٩- ٩٧٦ م) سياسته في توسيع المناطق التي احتلها في سورية. و أعدّ نفسه للقيام بحملة صليبية، هدفها انتزاع القدس من أيدي الفاطميين. و توغل في سورية مستغلا حالة الفوضى التي تسودها فدخل دمشق، و تقدم منها إلى بيسان (٩٧٥ م). و تقول المصادر اليونانية إن الناصرة و قيساريا