الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٧٥
ففي أيام الوليد بن عبد الملك، أقوى خلفاء بني أمية، أقيمت أجمل العمارات و أفخمها، و في النواحي جميعها من الديار الإسلامية. و هذه الديار بلغت في أيامه ذروة اتساعها، إذ وصلت بفعل نشاط الحجاج بن يوسف الثقفي إلى حدود الصين في الشرق، و إلى الأندلس في الغرب، بفعل نشاط موسى بن نصير (الذي يعود نسبه إلى آل نصير، و هم من سبي الخليل، أعتقهم الأمويون، فصاروا من مواليهم).
و في أيام الوليد، ولي فلسطين أخوه و ولي عهده، سليمان بن عبد الملك.
فاختطّ فيها مدينة الرملة، بالقرب من اللد- عاصمة الجند، و نقل عاصمته إليها، و بنى فيها قصرا و مسجدا و حفر آبارا و بنى قنوات تجر إليها المياه، فانتقل إليها الناس من بعده، فعمرت الرملة على حساب اللد. و بقي سليمان فيها، حتى عندما أصبح خليفة، إذ لا هو أحب الشام، و لا أهلها أحبوه. و في نواحي فلسطين المتعددة، أقام الأمويون، أسوة بالغساسنة، القصور و المشاتي في أطراف البوادي و غور الأردن، للاستراحة و الاستجمام و الصيد و اللهو. فبالقرب من بحرية طبرية، أقام معاوية المشتى الجميل، و نزله ابنه يزيد. و أقام الوليد قصر عمرة الفاخر بالقرب من البحر الميت، كما بنى هشام قصرا له في أريحا، و غير ذلك كثير في سورية و الأردن و الجزيرة.
و تميّزت هذه القصور بفنها المعماري الجميل، الذي مزج بين التراث البيزنطي و الشرقي العربي.
ثالثا: العصر العباسي
بسقوط الدولة الأموية، و قيام الدولة العباسية على أنقاضها، فقدت بلاد الشام، و معها فلسطين، مجدها. لقد انتقل مركز الخلافة إلى الشرق- العراق- و تحوّل المركز السابق إلى ولاية مغمورة، همّ السلطة الجديدة اقتلاع كل مظاهر سؤددها الماضي، و قمع كل محاولة لاستعادة شيء منه. و لأن بلاد الشام كانت عضد الأمويين، و حتى في ساعة محنتهم، فقد قسا عليها العباسيون، و عملوا على تحطيمها، و ضرب القاعدة المادية و البشرية التي استند إليها الأمويون. فحتى آخر أيامهم، و لأسباب ذاتية و موضوعية، ظل الأمويون متمسكين بمشروعهم في ميراث الدولة البيزنطية، و جعلوا بلاد الشام قاعدة انطلاقهم لتجسيد هدفهم المركزي، بينما رأوا في بقية الولايات، بما فيها القطبين التقليديين في الشرق- مصر و العراق- موارد مداخيل تسخّر في خدمة الهدف الذي تقوده بلاد الشام. و بسقوط بني أمية سقط مشروعهم، و بالتالي فقد تدهورت أوضاع قاعدة ذلك المشروع- بلاد الشام.
و بقيام دولة العباسيين تغيّر المشروع، شكلا و مضمونا، فتبدلت القاعدة و تغيّرت