الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٧
العاقل، و يحمل ميزات خاصة، جعلتهم يصنفونه كجنس خاص، و أطلقوا عليه اسم الإنسان القديم الفلسطيني، و عرف علميا باسمPalaeo -anthropus Palaestiniensis .
و مع أنه كان معاصرا لإنسان أوروبا النياندرتالي، إلّا إنه كان متقدما عليه في حضارته المادية، و في تكنولوجيا إنتاجها.
و يستخلص من دراسة العدد الكبير من الهياكل العظمية التي وجدت في شمال فلسطين، أن الإنسان القديم الفلسطيني (أو الجليلي) كان قصير القامة بالنسبة إلى الإنسان العاقل و يحمل على كتفيه العريضتين جمجمة كبيرة مستطيلة، عظمها سميك، و حدقتا العينين واسعتان تحف بهما نتوءات بارزة. أمّا الأنف فمسطح، و عظام الحنك نافرة صلبة، و الأسنان كبيرة، و في الحنك الأسفل ذقن صغير واضح، و الصدر واسع و العضلات ضخمة، و هو ما يعطيه قوة جسدية كبيرة. و اليدان كبيرتان، لكن عظام الأصابع محدودة الحركة. و الفخذ عنده أقصر من الساق، و الظهر يميل إلى الانحناء نحو الأمام، حيث يبقى الرأس مائلا في هذا الاتجاه.
و تتضارب الآراء في شأن مصير الإنسان القديم الفلسطيني. فهناك من يعتقد أنه تطور ليصبح الإنسان العاقل، بدليل تطور حضارته المادية، و تقنية صناعة أدواته الحجرية، و هو ما يشير إلى تحول طبيعي و متدرج في هذا الاتجاه. في المقابل، هناك من يقول بانقراضه من دون خلف، أو بتزاوجه مع جنس آخر هو الإنسان العاقل، أو بانتقاله إلى أوروبا و امتزاجه هناك بالنياندرتال المحلي، أو القضاء عليه، و احتلال مكانه. و بغياب الدليل على نظرية أفضل، لا بدّ من القبول حاليا، بأن النياندرتال الفلسطيني هو الذي تحوّل فيزيولوجيا، و تطور حضاريا نحو الإنسان العاقل، الجد المباشر للإنسان الحالي، و صانع الحضارة بمعناها الشامل.
و الإنسان القديم الفلسطيني هو صانع الحضارة الموستيرية في الشرق الأدنى، و هي الحضارة نفسها التي صنعها النياندرتال في أوروبا، إلّا إنها تتميّز في فلسطين بتقنية متقدمة، الأمر الذي يدل على أن نمط حياة الإنسان القديم الفلسطيني كان متقدما على نمط حياة معاصره في أوروبا. و قد وجدت حضارته المادية، من مقابض و مكاشط متنوعة، إضافة إلى أدوات عظمية قليلة، و نصال طويلة ذات ميزات متطورة و مشتركة مع أدوات الإنسان العاقل، في المغاور و في جوارها إلى جانب هياكله العظمية، حيث كان يدفن موتاه. و هو على العموم من سكان المغاور، و صياد ماهر، انتقل بنمط حياته من مرحلة الجمع و القطف و الاغتذاء بالحيوانات الصغيرة، و ربما الميتة، إلى مرحلة الصيد الفعلي؛ و هذا ما يتطلب وجود جماعات بشرية مزوّدة بأسلحة حادة، و قادرة على اقتناص الحيوانات الضخمة التي كانت منتشرة في الشرق الأدنى.