الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٦٨
سفيان. و عبر عمرو بن العاص إلى مصر، و غيره من المنافسين المحتملين، مثل سعد بن أبي وقاص، إلى العراق، فبقيت ولاية الشام لمعاوية حتى نهاية الخلافة الراشدية. و قد أطلق الخليفتان، عمر و عثمان، يد معاوية في بلاد الشام و متابعة الصراع مع البيزنطيين. و في أيامه، نزل الكثير من القبائل التي جاءت غازية بلاد الشام و فلسطين، إضافة إلى من كان بهما من اليمانية قبل الإسلام. و لأن الصراع مع البيزنطيين استمر برا و بحرا، إذ سيطر الأسطول البيزنطي على الشواطىء، و كان يغير على المدن الساحلية، ينهب و يخرب، فقد استلزم ذلك من معاوية تحصين الساحل السوري، و شحنه بالمقاتلين، ريثما يبني الأسطول العربي.
و في أيام ولايته قاد معاوية حربا مع البيزنطيين على جبهتين: الأولى برية في الشمال، على طول جبال طوروس، و وجهتها آسيا الصغرى، بدأت دفاعية ثم تحولت إلى هجومية؛ و الثانية بحرية على طول الساحل السوري، و هي الأخرى بدأت دفاعية ثمّ انقلبت إلى هجومية. و لتحصين خطي الجبهة، أقام الحصون في الشمال (العواصم و الثغور)، و على الساحل رمم دفاعات المدن التي تتعرض لغارات الأسطول البيزنطي. و شحن معاوية هذه الحصون و القلاع و المدن المسوّرة بالمقاتلين، و أنزل عائلاتهم بالقرب منهم. و بنى في عكا دارا لصناعة السفن، و استخدم فيها أصحاب المهن من السكان الأصليين، و كذلك البحّارة و المقاتلين من العرب و سواهم. و في أيام عثمان استكمل معاوية بناء الأسطول العربي، بعد أن أقام دارا أخرى لصناعة السفن في مدينة صور.
و منذ عصر الفتوح الأول، راحت تتضافر عوامل موضوعية و ذاتية تهيّىء ولاية الشام لاحتضان الخلافة الإسلامية بدلا من المدينة. فالفتوحات الواسعة تركت المدينة عمليا بعيدة عن مسرح الأحداث، التي انتقلت بثقلها و مضمونها السياسي و الإداري، كما بمادتها البشرية، إلى الأراضي التي فتحت حديثا. و ولاية الشام، شكلا و مضمونا، كانت مؤهلة أكثر من سواها لانتقال الخلافة إليها. ففيها غلب العنصر العربي بين السكان، سواء بمن كانوا فيها قبل الإسلام، أو بمن وصلوا إليها و استقروا في نواحيها بعده. و كذلك، و بينما انهارت الإمبراطورية الفارسية، و راحت الفتوحات العربية في أراضيها تتخذ نمط التوسع المستمر و ترتيب الأوضاع الذاتية، بما يواكب ذلك من صراعات داخلية، فإن ولاية الشام، و بفضل سياسة معاوية، إلى حد كبير، استقرت أوضاعها الداخلية، و توجه نشاطها الرئيسي إلى الصراع المصيري مع البيزنطيين، الأمر الذي أعطاها موقعا متميّزا.
و إلى فترة طويلة، لم يسلم البيزنطيون بفقدان بلاد الشام، و ظلوا ينتهزون كل