الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٦١
خيبر سنة ٧ ه، و بعدها مباشرة فدك، ثم وادي القرى و تيماء، و كلها قرى يهودية، استسلمت للرسول (ص)، فعقد معها صلحا بشروط محددة، تسمح لأهلها الحفاظ على ديانتهم و شعائرهم لقاء جزية يدفعونها سنويا، في مقابل الحماية التي يتمتعون بها في ظل «دولة الإسلام».
و مع أن اهتمام الرسول (ص) ببلاد الشام لم تكن له ترجمة عملية تذكر في حياته، فقد ورثه عنه خلفاؤه، و سارعوا بعد وفاته إلى تنفيذ وصيته. و في حياته أنفذ الرسول (ص) ابنه (بالتبنّي)، زيد بن حارثة إلى الشام، فوصل مؤتة، و اصطدم سنة ٨ ه بمقاومة عنيفة من تجمع القبائل العربية هناك، و دارت معركة خسرها المسلمون، و استشهد فيها زيد، و كذلك جعفر (ذو الجناحين) ابن عم الرسول (ص). و بعد مؤتة، بعث الرسول (ص) عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل، إلى قبائل بلي و عذرة و بلقين، يدعوها إلى الإسلام. و كانت أم عمرو بلوية، و قصد الرسول الإفادة من صلة رحم البلويين لعمرو. ثم قاد النبي (ص) نفسه أكبر غزوة جهزها في حياته إلى تبوك سنة ٩ ه و قد لقي صعوبات جمة في تجهيز الحملة، فسماها لذلك «جيش العسرة».
و جاءه في تبوك حاكم أيلة (العقبة) من قبل البيزنطيين، يوحنا بن رؤبة، ثم جاءت وفود جربا و مقنا و أذرح، و سكانها من نصارى العرب، فكتب لهم الرسول (ص) كتبا، و صالحهم على دفع الجزية، و أعطاهم الأمان و اعتبرهم «ذمة اللّه و رسوله».
و بعد وفاة الرسول (ص) (١١ ه/ ٦٣٢ م)، و القضاء على حركة الردّة في خلافة أبي بكر الصديق، بدأت عملية الفتوحات، التي انطلقت بسرعة البرق الخاطف، فقضت على إمبراطورية الفرس، و حجّمت بيزنطة إلى الحدود الدنيا. فغداة قمع الردّة، دانت الجزيرة العربية لسلطة الخليفة في المدينة، و أصبحت قاعدة آمنة للإسلام، انطلق منها- بالطاقة البشرية التي وفرتها، تحت لواء الإسلام، و قيادة قريش و الصحابة الأولين- لتحقيق فتوحات واسعة النطاق. و قد استهدفت العمليات العسكرية الأولى القبائل العربية في بلاد الشام و تخوم العراق، لضمها تحت لواء الإسلام، و تجنيدها في عملية الفتوحات التي راحت تتطور و تتقدم من نصر إلى نصر.
و إذ تحرك الجيش العربي الأول من الجزيرة بقيادة خالد بن الوليد إلى تخوم العراق (غرب الفرات)، فإن المعارك الحاسمة الأولى وقعت في بلاد الشام مع البيزنطيين، و بداية في فلسطين، و من ثمّ انتقلت إلى مصر و العراق (شرق الفرات).
و تجدر هنا الإشارة إلى أن معلوماتنا عن مسار حركة الفتوحات في بلاد الشام عامة، تستند بالأساس إلى مصادر أولية عربية، كتبت بعد نحو ٢٠٠ عام من تاريخ الأحداث، و قد تمّ تناقلها شفويا و كتابة خلال هذه المدة الطويلة. و لا ضير في ذلك