الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٥٨
قرون)، نزلت مناطق نفوذهم قبائل عربية كثيرة، استوطنت بلاد الشام، و شكّلت لاحقا مرتكزا مهما للفتوحات العربية بعد ظهور الإسلام. كما أدّى الغساسنة دورا في نشر المسيحية بين العرب. و الأكيد، أنهم في هذه المرحلة من الصراعات القومية داخل الإمبراطورية البيزنطية، و التي اتخذت صيغة الخلافات العقائدية الدينية، قد ساهموا كثيرا في بلورة الوعي الذاتي العربي، و بذلك مهدوا الطريق أمام تكريس هذا الوعي بعد الإسلام.
باقتراب القرن السادس الميلادي من نهايته و بداية السابع، أخذت الأوضاع الذاتية و الموضوعية لدخول العرب مسرح التاريخ كقطب رئيسي تتشكل بوتيرة متسارعة، و ذلك بعد أن ظلوا لفترة طويلة هامشيي الأثر في الأحداث الجارية.
و بدخولهم هذا، أسسوا لقيام حضارة عالمية و مادية و روحية، كان الإسلام مرتكزها و حافزها. ففي الصراع بين الشرق الفارسي، و الغرب الهليني (الروماني- البيزنطي)، أدّى العرب دورا مهما، و كذلك في النزاعات داخل هاتين الإمبراطوريتين، الأمر الذي ساعد على تبلور شخصيتهم المتميّزة. و مع ذلك، ظلوا تابعين لهذه القوة العظمى أو تلك، و لم يكن زمام أمرهم بأيديهم. و خلال الربع الأخير من القرن السادس، و الأول من القرن السابع، أنهكت الإمبراطوريتان بعضهما بعضا، و فتحتا الباب على مصراعيه أمام الفتوحات العربية التي انطلقت من الحجاز- مهد الإسلام- و اجتاحت خلال فترة قصيرة نسبيا، أراضي الإمبراطورية الفارسية كلها، و كذلك الجزء الأكبر من أراضي الإمبراطورية البيزنطية.
لقد استنزفت الحرب الطويلة و المستمرة طاقة الإمبراطوريتين- الفارسية و البيزنطية- عسكريا و ماديا و معنويا. و عندما توصلتا إلى ضرورة وقف القتال بينهما، نظرا إلى عبثية استمراره من دون القدرة على حسمه، و اتفقتا على الشروط للتعايش، كان جيشاهما في حالة متدنية من جهة التنظيم و الطاقة البشرية و الروح القتالية. و في مسيرة الحرب الطاحنة، و نتيجة الخسائر الكبيرة في الأرواح و العتاد و الأموال، اضطر الطرفان إلى تجنيد المرتزقة بأعداد كبيرة، و اللجوء إلى رفع الضرائب على السكان و التجارة الدولية، و ذلك لتوفير المال اللازم لتحمل أعباء الحرب المكلفة. و هكذا، و عندما حانت ساعة المواجهة مع الجيوش العربية، التي زحفت تحت قيادات مجربة، ذات قدرات تنظيمية فائقة، كما تمتعت بروح معنوية عالية، تحفزها أهداف ذاتية و جماعية مجزية، ماديا و روحيا، لم تستطع جيوش الإمبراطوريتين الصمود، و انهارت بسرعة غير متوقعة.
و على العكس من سلوكهما السابق في دعم حليفيهما الحدوديين- الغساسنة