الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٥١
تجارية في النقب، كان الأنباط يستعملونها، و هي: عبدة و سبيطة و نيتسانا و كرنب و ألوسا (الخلصة). و قد كشف في هذه المدن عن آثار تدل على ازدهارها في العصر الروماني- البيزنطي: بوابات ضخمة و أسواق و معابد و كنائس و مسارح و سدود مياه و قنوات .. إلخ.
و قد ظلت الزراعة عماد الاقتصاد في البلد، و لكن صناعات متعددة ازدهرت بالمدن، و كذلك التجارة ببضائع متنوعة. و تميّزت غزة كميناء، إذ كانت منفذ التجارة مع الجزيرة العربية عبر النقب، الذي حرصت السلطات على أمن القوافل التي تنقل البضائع، عبر طرقه. و لم تقتصر تجارة فلسطين و موانئها على المنتوجات الزراعية:
كزيت الزيتون و النبيذ و البلسم (من منطقة عين جدي) و الحبوب (من مرج ابن عامر) و الخيول، و لا على ما تحمله القوافل من الجزيرة العربية و الشرق الأقصى- التوابل و العطور- بل اشتغلت أيضا بمنتوجات و بضائع متنوعة، منها: الأخشاب و النحاس من آسيا الصغرى و الحرير و الأيقونات من القسطنطينية و الزجاج من سورية و الجلود و الفراء من أوروبا. و لذلك ازدهرت الموانىء- غزة و يافا و قيساريا و عكا و غيرها. و في أراضي الإمبراطورية المترامية الأطراف، حيث تمتع السكان بحرية التنقل و بالأمن في فترات الاستقرار، تشكلت سوق تجارية ضخمة، قامت القسطنطينية ذاتها بدور مركزي فيها، لأنها مدينة صناعية و تجارية، فضلا عن أنها عاصمة الإدارة المدنية و الكنسية، و مركز الثقافة و الفكر.
و كانت ولاية سورية، و من ضمنها فلسطين، ولاية غنية، تمتعت بازدهار اقتصادي لفترات طويلة من الاستقرار، و لذلك شهدت نهضة عمرانية و فنية و فكرية.
ففضلا عن بناء المدن و الموانىء و الحصون و الطرق، أقيم عدد كبير من الهياكل، و لاحقا الكنائس المسيحية منذ القرن الرابع الميلادي. و فيها يتجلى فن العمارة الراقي، الذي مزج بين العناصر الشرقية و اليونانية و الرومانية، فجاء متميزا برونقه و جماله و زخرفه. و تبرز فيه الفسيفساء بجمال صورها- أوراق الأشجار و الزهور و عناقيد العنب و الثمار و الحيوانات و الطيور البرية و الأليفة. كما تجذب الأنظار الأعمدة اليونانية و الطراز «الباسيليكي»، في بناء الكنائس الكثيرة، و الأديرة للرهبانيات التي انتشرت في جميع أنحاء البلد، و حتى في الصحراء. و من أهمها في فلسطين «دير مار سابا» (بالقرب من القدس) و «دير جبل الطور» (بالقرب من الناصرة)، و كذلك في مدن الناصرة و بيت لحم و جبل الزيتون في القدس. أمّا الكنائس، فأقدمها كنيستا «المهد» و «القيامة»، من أيام قسطنطين، و كذلك كنيسة «البشارة» في الناصرة، و كنيسة غزة، التي بنيت سنة ٤٠٢ م على يد الإمبراطورة الورعة يودوكية. و وجدت آثار كنائس