الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٥
و الشرق. و عدا كون هذه المكتشفات توحي بأصول إفريقية، فإنها في سورية الكبرى تتشابه في الصفات و في تقنيات التصنيع، التي يقسمها البعض إلى ثلاث مراحل قديمة جدا هي: الكلاكتونية و الأشولية و التياسية، و منهم من يجمعها في الأشولية.
و تبقى معرفتنا بحياة الإنسان في هذا العصر الحجري الموغل في القدم ضئيلة.
و هي أقرب إلى الفرضيات منها إلى الحقائق الملموسة، و تتلاءم ضآلتها طردا مع طول الفترة الزمنية التي يغطيها هذا العصر. و الاعتقاد السائد هو أن هذا الإنسان البدائي عاش متنقلا، يجمع قوته مما توفره الطبيعة و يصارع، على ضعفه، ليبقى في قيد الحياة، و يستعين بتطور دماغه ليعوض من هشاشة بنيته الجسدية بالنسبة إلى عالم الأحياء المحيط به. و يعثر على آثاره منتشرة على سطح الأرض، و في جوفها، كما في بعض الملاجىء و المغاور. لكنه بمرور الزمن أصبح أكثر قدرة على التحكم في مصيره في مواجهة عوامل الطبيعة، فراح يصنع أدوات صيده، و يعمل ذهنه في ابتداع السبل لضمان أمنه و وقاية جسده، و الدفاع عن نفسه و توفير مقومات حياته، في إطار الجماعات الصغيرة التي تشكلت بالتكاثر عبر الزمن.
و على الرغم من ضآلة المعلومات عن هذا العصر الطويل، و انحصار المواقع المعروفة منه أصلا في الانهدام السوري- الإفريقي. (مجاري أنهار الأردن و الليطاني و العاصي) و بنسبة أقل في الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، فإنها تؤكد أهمية هذا العصر في تطور الجنس البشري. فالإنسان منتصب القامة (هومو إركتوس) كان أول الأجناس البشرية ذات الدماغ الكبير التي احتلت الشرق الأدنى القديم بالتدريج، و عاش متنقلا في أودية الأنهار و المناطق الساحلية، و كان أول من تكيف وفق المناخ المعتدل و المناخ البارد.
و لا يزال الموطن الأصلي لهذا الإنسان غير معروف على وجه التأكيد، مع وجود مؤشرات إلى إفريقيا. و هناك مسائل كثيرة، مثل بنيته الجسدية، أو حضارته المادية، لا تزال من دون حلول مرضية في هذه المرحلة من تطور البحث العلمي في هذا المجال. و لكن الأكيد أنه وقع في نهاية هذا العصر، أي قبل نحو ٠٠٠، ١٠٠ عام، تطور تقني مهم في جميع أنحاء الشرق الأدنى، يبرز في التجهيز المادي لهذا الإنسان، و في تطوير أساليب صيده، و تنظيم مواقع سكنه، و في ابتكار وسائل إشعال النار و استخدامها لمصلحته.