الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٤٨
إيليا كابيتولينا تميّزت بموقعها، فكانت أعلى من قيساريا، مع أن الأخيرة ظلت أعلى إداريا، إذ كانت هي العاصمة الفعلية، و مقر الحاكم البيزنطي. و ليس ذلك إلّا للأهمية التي صارت تولى لإيليا كابيتولينا بعد بروز الديانة المسيحية، لأنها أهم مراكز التراث المسيحي. و بسبب هذا الموقع المتميز، صارت فلسطين تسمى بالتدريج «الأرض المقدسة». و بتغييرات طفيفة، ظل هذا الترتيب قائما لفترة طويلة، و لم يتغير بصورة جذرية إلّا عند الاحتلال الفارسي (الساساني)، في بداية القرن السابع الميلادي.
و على الرغم من الاضطرابات المتكررة، و ما تجرّه من خراب، فقد بنيت مدن كثيرة في فلسطين خلال هذه الفترة. و إضافة إلى المدن التي أنشأها هيرودوس:
قيساريا و سبسطية و أنتيباترس (رأس العين) و فصائيل (شمال أريحا) و غيرها، عمد الأباطرة الرومان إلى إقامة عدد منها. ففي أيام الإمبراطور فسبسيان (٦٩- ٧٩ م)، بدء العمل ببناء مدينة عمواس (نيكوبولس)، حيث عسكر هناك قبل التقدم لاحتلال أورشليم. و عندما استكمل بناؤها، منحت لقب بولس، أيام ألكسندر سفيروس (٢٢٢- ٢٣٥ م). و كذلك نشط في أيامه العمل في بناء نابلس (نيابولس)، التي نمت لتصبح من كبريات مدن فلسطين، حيث كانت تقام الاحتفالات الكبرى و الألعاب الرياضية.
و في بداية حكم الولاة الرومان في فلسطين، جرى توسيع أراضي المدن، و كذلك تطوير الإدارة الذاتية فيها، إذ أصبح البلد كله تقريبا عبارة عن «اتحاد مدن». و منذ أيام فسبسيان منحت مدن كثيرة جديدة حكما ذاتيا و منها: يبنى و أسدود و أنتيباترس و أرسوف و جبع و يافا و طبرية (التي بناها أنتيباس، ابن هيرودوس و جعلها عاصمته نحو سنة ٢٦ م) و صفورية (التي كانت عاصمة أنتيباس قبل الانتقال إلى طبرية، فمنحت لقب بولس أيضا). و بعد ذلك أقيمت اللد (ديوسبولس) و بيت جبرين (إليوتيروبولس) في القرن الثاني الميلادي.
و بعد القضاء على تمرد باركوخبا (١٣٢- ١٣٥ م)، بدأ الإمبراطور هدريان (١١٧- ١٣٨ م)، الذي كان مولعا بالشرق، و محبا للعمارة و البناء، بإقامة إيليا كابيتولينا، بعد أن ظلت معسكرا للجيش الروماني منذ أيام تيطس، و خراب الهيكل الثاني. و أرادها الإمبراطور أن تكون مستعمرة رومانية، تضم كل المؤسسات المعروفة في المدن الهلنستية- هيكل روماني و جمناسيوم و غيرهما من المؤسسات العمرانية و الثقافية الجميلة. و أخرج هدريان اليهود من إيليا كابيتولينا، و حظر عليهم الدخول إليها و الإقامة فيها. فانتقل المركز اليهودي إلى يبنى، حيث راح يتبلور سنهدرين جديد، و أصبحت المدينة مركزا للدراسات التوراتية، و فيها تمّ جمع عناصر الشريعة اليهودية، و تصنيفها في كتاب «المشنا». و كان تراجان (٩٨- ١١٧ م) احتل البتراء