الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٤٤
موقعه الديني إلى التدخل في الخلافات العقائدية بين التيارات المتعددة. و الواقع أن هذه التيارات، التي اتخذت سمة لاهوتية، لم تكن معزولة قط عن الانتماءات القومية للشعوب داخل الإمبراطورية. و قد تشكلت فعلا كنائس ذات طابع قومي، و خصوصا في الولايات الشرقية- مصر و سورية و العراق و الجزيرة .. إلخ. و كان للمركزية المطلقة في إدارة الدولة انعكاسات سلبية، سياسية و دينية، في مراحل هبوط مستوى الإدارة، و تفشي الفساد في صفوفها. إذ أخذت الخلافات طابعا مزدوجا- دينيا و قوميا، في آن معا.
و الخلافات العقائدية و اللاهوتية بشأن طبيعة المسيح (وحدة طبيعته البشرية و الإلهية، أو انفصالهما)، أدّت خلال القرنين- الرابع و الخامس- إلى انقسامات حادّة داخل الكنيسة. و في المجمع المسكوني الرابع (مجمع خلكيدون)، الذي انعقد بقرار من الإمبراطور (٤٥١ م)، كان الانقسام واضحا بين الشرق و الغرب. و عندما أقرّ هذا المجمع ثنائية طبيعة المسيح، و تبنّت الدولة هذا القرار على أنه المذهب الرسمي للكنيسة الأورثوذكسية و بالتالي للدولة، فقد أخرجت الطوائف الأخرى من إطارها.
و عندما عمدت إلى فرض الموقف الرسمي قسرا، انفجرت اضطرابات في الولايات الشرقية- سورية و مصر- حيث كانت أغلبية السكان تتمسك بالعقيدة القائلة بالطبيعة الواحدة للمسيح (المونوفيزيتية). و قمعت تلك الاضطرابات بعنف شديد، نجم عنه الكثير من إراقة الدماء على أيدي السلطة.
لكن قمع هذه الثورات لم يحل المشكلة بين بيزنطة و الولايات الشرقية، إذ وراء الخلافات العقائدية، كانت تكمن تناقضات قومية و سياسية، و خصوصا في سورية و مصر. و أخذت هذه التناقضات تحتدم عبر الصراع و نتيجة القمع، و بالتالي يتسع نطاقها و تبرز بكل وضوح. و سكان هذه الولايات، و خصوصا سورية، أصبحوا بفعل موقعهم يقتنعون بأفضلية الانفصال عن الإمبراطورية البيزنطية، و الانضمام إلى الفارسية. و الأمر الذي شجعهم على ذلك هو الحفاوة التي استقبل بها «النساطرة» في شمال العراق و بلاد الرها، عندما هربوا من أراضي بيزنطة إلى فارس، إذ سمح لهم بإقامة مراكز دينية، مارسوا فيها تعاليمهم بحرية كاملة، و لم تتدخل الدولة في نشاطهم التبشيري، على طول «طريق الحرير» إلى الصين. و فعلا، فإن هذا الصراع السياسي- الديني سهّل على الفرس احتلال بلاد الشام، و من بعدهم على العرب فتحها، في النصف الأول من القرن السابع الميلادي.
و تعتبر فترة حكم جوستنيان (٥٢٧- ٥٦٥ م) فترة ازدهار للحكم البيزنطي القوي في بلاد الشام. فالنشاط العسكري الذي مارسه على جبهات متعددة، و بنجاح ملحوظ