الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٣٩
شمعون باركوخبا (باركوزبا). و بعد قمع التمرد و اجتياح آخر معاقله- بيتار (بتير)- بالقرب من أورشليم، أمر هدريان بمنع اليهود من ممارسة شعائرهم الدينية، و حظر عليهم دخول المدينة، و أجلاهم من جوارها، و هدم الكثير من القرى في محيطها، و باع أعدادا منهم عبيدا، كما هرب كثيرون إلى البلاد المجاورة. و منذئذ، صار الرومان يسمون المدينة الجديدة «إيليا كابيتولينا»، و البلد «فلسطين السورية». و نشر هدريان فيلقا رومانيا آخر (الفيلق السادس) في مرج ابن عامر (مجدو)، التي أصبح اسمها ليجيو (اللجون).
و بعد موت آخر الأباطرة الخمسة الصالحين، ماركوس أوريليوس (١٨٠ م)، بدأت مرحلة من التدهور السريع في أوضاع الإمبراطورية الرومانية، تضافرت على صنعها مشكلات داخلية و خارجية. أمّا داخليا، فقد راحت روما تعاني المشكلات التي تصيب الإمبراطوريات الكبيرة في زمن الشيخوخة- علاقات متردية بين السلطة و الناس و مراكز قوى داخل السلطة ذاتها و فساد جهاز الدولة و علاقات متوترة بين المركز و الأطراف و تراجع اقتصادي و عسكرة الدولة .. إلخ. و خارجيا، انقلبت حالة الهدوء على الحدود إلى حالة حرب مع الجرمان، من جهة، و مع الفرس، من جهة أخرى. فبعد سقوط الفرثيين، و تولي الساسانيين مكانهم (٢٢٦- ٦٤١ م)، سارع حكام إيران الجدد إلى تسخين الجبهة مع روما، نقضا للاتفاق الذي عقده هدريان مع الفرثيين.
و كان طبيعيا أن تترافق مرحلة التراجع الروماني مع حالة من اختلال الأمن و العلاقات الداخلية في أنحاء الإمبراطورية جميعها، و على أكثر من صعيد. فالأباطرة الذين توالوا على العرش، دانوا بسلطانهم للجنود الذين رفعوهم إلى هذا المنصب.
فكان عليهم أن يعوضوا الجيش عن خدماته بالامتيازات التي منحوه إياها. و التناحر بين فئات الجيش ترافق بالعنف و القمع و تردي الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية و الأخلاقية، فانهار السلم الروماني، و اندلعت الحروب الأهلية و عمّ التمرد و الفوضى. و قد لقي المسيحيون مزيدا من الاضطهاد و المطاردة. و مع ذلك، انتشرت المسيحية و تغلغلت في طبقات متعددة من المجتمع. و كأنما التطورات السلبية في الإمبراطورية كانت تستدعي بروز ديانة جديدة، فتقدمت المسيحية لتقدم المطلوب.
إن هبوط المستوى الأخلاقي لجهاز الدولة، من القمة إلى القاعدة، أضعف الديانة المدنية الرومانية في نظر الناس. و الفوضى التي عمت أنحاء الإمبراطورية، دفعت الكثيرين إلى البحث عن الخلاص عبر ديانة تشكل قاسما مشتركا بين الشعوب