الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٣٤
السياسي البارز أكتافيوس (أغسطس)، و عمل على نقل الدولة الرومانية إلى إمبراطورية كونية راسخة، الأمر الذي نجم عنه اتخاذ إجراءات متعددة، تمكّن من توحيد أراضي الإمبراطورية و شعوبها حول المركز في روما. و انقسم اليهود بشأن هذه الإجراءات، بين معارض و مؤيد و محايد. و دبّ الخلاف بين هذه التيارات المتعارضة في ظل حكم روماني مباشر، فتحول إلى صراع مع روما. و بغياب هيرودوس و وسائله المتعددة، اعتمد الولاة الرومان القوة العسكرية وسيلة لقمع التمرد. و راح الوضع يتفاقم، و الأحوال العامة تسوء. و في هذه الأجواء المحتقنة بالتوتر، ظهر المبشر بالديانة الجديدة، «المسيح المخلص».
و في خضم الأزمة، و حالة الاختلال في أوجه النشاط بغياب قيادة موحدة، برزت أربعة تيارات بين اليهود: تيار سعى للمساومة مع الرومان، و عمل للسلام و الحرية الدينية، و كان قوامه أبناء الطبقات العليا، الذين اكتفوا بالحفاظ على اليهود كجماعة دينية في إطار الإمبراطورية؛ و تيار آخر، أكثر اتساعا، عارض التأثيرات الخارجية، و دعا إلى تفسير تعاليم التوراة و تطويرها بحيث تواكب روح العصر. في المقابل، كانت هناك جماعتان أخريان، على طرفي نقيض؛ الأولى، متطرفة في مقاومتها للإجراءات الرومانية، سياسيا و دينيا، ودعت إلى التصدي لها بحمل السلاح، و كان قوامها سكان الريف؛ و الثانية، زاهدة، صوفية، انعزالية، رأت الخلاص الذاتي في التطهر الروحي. و قد خرجت إلى أطراف الصحراء لتقيم تجمعاتها الخاصة، و يبدو أن يوحنا المعمدان لم يكن بعيدا عن هذه الجماعة الأخيرة. و قد بشّر بالخلاص القريب، عبر المسيح المخلص.
في هذه الأجواء المشحونة، ولد يسوع الناصري في بيت لحم. و لعل ذلك كان سنة ٤ ق. م.، أي عام مات هيرودوس، الأمر الذي اعتبر أنه جاء مواكبا ل «قدوم الساعة»، و بالتالي وقع بحسابات و إرادة إلهية. و بشّر به يوحنا المعمدان الزاهد على أنه المخلص. و منذ أن شرع في التبشير برسالته، أعلن يسوع المسيح أن ملكوت اللّه الموعود أصبح قريبا، و بناء عليه، دعا الناس إلى المباشرة حالا بإعداد أنفسهم للتوبة و إحياء الروح، عبر رفض متاع الدنيا، و التوجه إلى حب اللّه و الناس. و إذ لم يطالب الناس في البداية بترك ديانتهم، فإنه دعاهم إلى تجاوز الطقوس الشكلية، و فتح قلوبهم إلى اللّه. و لم يدع المسيح إلى الصدام مع روما، بل أكد على ضرورة إعطاء «ما لقيصر لقيصر، و ما للّه للّه.»
و عندما راح يسوع الناصري، و هو يناهز الثلاثين من العمر، يجوب البلاد و يبشّر بتعاليمه، أثار اهتماما بين الناس من مواقع متعددة. فهناك من رأى فيه مجدّدا لملك