الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١١٦
و التجارية. فخلفاء الإسكندر بادروا منذ البداية إلى مصادرة الإقطاعات الكبيرة من أصحابها، و ضمها إلى أملاك الملك، الذي احتفظ لنفسه بمساحات واسعة منها، و أقطع المقربين إليه أجزاء منها. و هذه الأراضي تم تأجيرها للفلاحين لقاء أجر سنوي، نقدا أو عينا. و حظر عليهم تركها قبل انتهاء الموسم، كما منعوا من تسويق محاصيلهم قبل أن تتاح الفرصة لعمال الملك لطرح حصته في السوق. و بسبب فقرهم، تحوّل قطاع واسع من الفلاحين إلى عبيد، فارتبطوا بالأرض، و كذلك أبناؤهم مدى الحياة.
و احتكرت الدولة الصناعة و التجارة إلى حد كبير. فما لم يكن في يدها مباشرة، أو مداورة، فرضت عليه ضرائب عالية، و ضبطت الأسواق و حركة البيع و الأسعار.
و إضافة إلى أن أراضي الإمبراطورية الشاسعة شكلت سوقا تجارية هائلة، فقد اهتم الملوك اليونان بتحسين الطرق و الموانىء، و بنوا القنوات للنقل النهري، كما بحثوا عن أسواق بعيدة، و اكتشفوا طرقا جديدة، و بذلوا جهدا في تأمين الطرق و حراسة السواحل. و علاوة على ذلك، وحّدوا النقد الذهبي و الفضي، و أقاموا المصارف لتسهيل التعامل. و إلى ميناء الإسكندرية على سبيل المثال، جاءت التوابل من الجزيرة العربية و الهند و النحاس من قبرص و الذهب من إثيوبيا و الهند و التنك من بريطانيا و الفيلة و العاج من نوبيا و الفضة من شمال بحر إيجة و إسبانيا و السجاد من آسيا الصغرى، و حتى الحرير من الصين. و كانت أرباح الدولة تصل إلى حدود ٣٠% من سعر البضائع.
و من النتائج البارزة لهذا النمط الاجتماعي- الاقتصادي نمو المدن الكبرى المتعددة. ففضلا عن الاستيطان اليوناني الكثيف، كانت هناك حركة سكانية من الريف إلى المدن التي أصبحت مراكز صناعية و تجارية، إضافة إلى كونها مراكز إدارية. و من عناصر الجذب إلى المدن كان نمط الحياة الإغريقي في المدن الهلينية (بولس)، و ما يوفره من أجواء ثقافية و حضارية. و برزت أنطاكيا، عاصمة السلوقيين، التي تضاعف عدد سكانها أربع مرات خلال قرن واحد. و قبلها نمت سلوقية (على نهر دجلة) إلى مدينة كبرى من نقطة الصفر. و لكن المدينة الأكبر و الأكثر شهرة كانت الإسكندرية، التي يقدر بعضهم سكانها بنحو المليون نسمة. و قد شاع صيت مكتبتها التي يذكر أنها احتوت ٠٠٠، ٧٥٠ مجلد. و كما الحال في سورية و الأردن، كذلك في فلسطين، إذ أقيمت مدن يونانية، منها: عكا و جبع و دورا و يافا و يبنى و أسدود و عسقلان و غزة و رفح و السامرة و صفورية و بيسان و غيرها.
لكن الازدهار الهليني كان من نصيب القلة فقط- الأمراء و الموظفين و ملاكي