الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١١٤
خلال حكم البطالسة (القرن الثالث قبل الميلاد)، كانت فلسطين جزءا من الولاية المعروفة رسميا باسم «سورية و فينيقيا». و كانت حدود هذه الولاية عرضة للتغيير، بحسب ميزان القوى بين السلوقيين و البطالسة. و على العموم، فقد ضمت دمشق و نصف الساحل الفينيقي و شرقي الأردن. و إلى حد كبير، حافظ البطالسة على التقسيم الإداري الذي كان قائما في فلسطين أيام الفرس، مع استبدال لفظ «سترابا» ب «هبّارخيا» للدلالة على الولاية. كما أدخلوا بعض التعديلات الإدارية، فنقلوا عاصمة أدوميا من لاخيش (تل الدوير) إلى ماريسا (تل صندحنّة)، و عاصمة الجليل من حاصور إلى قلعة جبل طابور (إيتابيريون). و أعطوا مدن الساحل حكما ذاتيا مستقلا عن الفينيقيين. كما أقاموا إقطاعات يونانية، مثل قادش (كاداسا)، و هي قدس في الجليل الأعلى، و كذلك بيت عنات (البعنة) في الجليل الأسفل، و غيرهما.
و على العكس من الفرس، و نظرا إلى طبيعة بلادهم قليلة الموارد، قام اليونان بالاستيطان في الأراضي التي احتلوها على نطاق واسع، و نالت فلسطين قسطها منه.
و قد أدّى ذلك بطبيعة الحال إلى تغيير في التركيب السكاني، و بالتالي في التنظيم الإداري للمدن التي اتخذت طابعا يونانيا. فقد أقيمت مدن جديدة، كما أعيد بناء مدن قديمة بنمط سياسي- اجتماعي يوناني. و فصلت هذه المدن التي استوطنها اليونان عن محيطها، بإعطائها حكما ذاتيا متميزا. إلّا إن مسار الهلينة باليونان، سرعان ما طال السكان المحليين فتبنوا العادات و التقاليد، و خصوصا في المدن المختلطة مثل: غزة و عسقلان و عكا. و تميّزت ماريسا بتبني الهلينة في أدوميا. فضلا عن إقامة مستوطنات يونانية صرفة، مثل: سكيتوبولس (بيسان) و بطوليمايس (عكا). أمّا السامرة (سماريا)، فقد استوطنها جنود مقدونيون متقاعدون.
و لما انتزع السلوقيون فلسطين من أيدي البطالسة (بداية القرن الثاني قبل الميلاد)، أدخلوا بعض التعديلات الإدارية على هذه «الهبارخيا» (الولاية)، فقسموها إلى مقاطعات أكبر، و هي: ١) باراليا، و تضم كل السهل الساحلي؛ ٢) ساماريا، و تضم الجليل، يوديا، يوبا (يافا) و أراضي طوبيا العموني (شرقي الأردن)؛ ٣) أدوميا، التي ضمت يمنيا (يبنى) و أزوتس (أسدود). و في أيام السلوقيين أقيم عدد من المدن اليونانية، كما تحوّل عدد آخر من المدن القديمة إلى مستوطنات يونانية. و كان السلوقيون أشد اهتماما بالهلينة من البطالسة. و ذلك لأنهم ادعوا خلافة الإسكندر و وراثة رسالته في نشر الحضارة اليونانية، سواء بالاستيطان، أم بنشر مبادئها بين السكان المحليين.
لقد خاض البطالسة و السلوقيون خمسة حروب من أجل السيطرة على فلسطين