الموجز فى تاريخ فلسطين السياسى - شوفاني، الياس - الصفحة ١٠٨
الدينية. و لكن من المؤكد أنه كانت لذلك أسباب عملية أخرى. فلكي يستطيع التفرغ لمحاربة اليونان، كان لا بدّ من أن يحافظ على الاستقرار في الولايات الخاضعة له، و الإفادة من مواردها المادية، و حتى من طاقتها البشرية.
لكن الفشل في إخضاع اليونان، و استمرار الحرب تراوح مكانها بعد موته، تركا آثارا سلبية على إمبراطورية داريوس، التي وضعت هذا الهدف في على سلم أولوياتها. فتركيز السلطة في البلاط جعله مركزا للتآمر، و بالتالي التنافس الشديد على التقرب من ملك الملوك (الشاهنشاه). و استمرار الحرب استنزف الموارد و زاد في الأعباء، من الأموال و الرجال، ليس على الفرس فحسب، بل على الشعوب الخاضعة لحكمهم أيضا. و استشرى الفساد في الدولة، و سادت فيها الانتهازية، في البلاد كما في الولايات. و إزاء هذه الحالة من التراجع، لم تنفع ملوك الفرس السياسة المعتدلة تجاه ديانات الشعوب المتذمرة من أعباء الضرائب. و عندما ثارت تلك الشعوب عمد الفرس إلى قمعها، فدخلت الإمبراطورية في حركة لولبية هابطة، انتهت بسقوطها.
في تنظيمه الإداري للإمبراطورية، قسمها داريوس إلى ٢٠ ولاية (سترابا)، و على كل منها وال (ستراب). و فلسطين كانت جزءا من الولاية الخامسة، التي عرفت باسمها الأرامي «عبر نهرا»، أي «ما وراء النهر»، و المقصود نهر الفرات. و هي تضم، بحسب هيرودوتس، بلاد الشام كلها- سورية و فينيقيا و قبرص و يهود. و يذكر هيرودوتس أن «العرب معفون من الضرائب»، أي أن البدو الرحل في الصحراء- جنوب أدوم و سيناء- كانوا خارج سلطة الوالي، الذي مقره في دمشق و علاقتهم بالإمبراطورية هشة. و السهل الساحلي الفلسطيني كان مقاطعة فينيقية، تابعة لمدينتي صور و صيدا إداريا، ما عدا عكا و أكزيب (الزيب) و غزة، فقد كانت مدنا مستقلة. و قد أعطى الملك الفارسي الساحل الفلسطيني للمدن الفينيقية الرئيسية، لتكون موردا للمواد الزراعية اللازمة لها كمراكز تجارية، و موانىء مهمة. و قد أولى داريوس المدن الفينيقية معاملة خاصة لمساعدتها إياه عبر أساطيلها في نشاطه الحربي. و كان للفينيقيين (التجار) مصلحة مشتركة مع الفرس في ضرب المدن اليونانية، التي كانت المنافس التجاري الرئيسي لها في البحر الأبيض المتوسط. فعلى العكس من الأشوريين الذين لم يهتموا بالبحر الأبيض المتوسط و طرقه و تجارته، و بالتالي بمدنه و قواه السياسية، فلم يتعرضوا لها، وضع الفرس هذه المهمة على رأس جدول أعمالهم، و تعاون الفينيقيون معهم.
و كان الداخل الفلسطيني مقسما إلى وحدات أصغر (مقاطعات). و من المصادر اليونانية- هيرودوتس و غيره- يستفاد أنه في نهاية العصر الفارسي، كانت فلسطين