مصباح الشريعة في شرح تحرير الوسيلة (كتاب الاجتهاد و التقليد) - النمازي، الشيخ عبدالنبي - الصفحة ٨ - فصل في صلاة المسافر
يظهر حقيقة المراد من الآية. و هذا الاستعمال شائع في الكتاب العزيز، كما في قوله تعالى في الجهاد: ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون[١]، و كذلك في الصوم قوله تعالى: و أن تصوموا خير لكم[٢]، و كذلك قوله تعالى في الحجّ: إنّ الصفا و المروة من شعائر اللّه فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما[٣].
فهذه الآية أيضا نزلت في تشريع السعي بين الصفا و المروة؛ و ذلك لأنّ المشركين قد جعلوا أصنامهم على الصفا و المروة، و اشتغلوا بعبادتها، فصار ذلك سببا لتأمّل المسلمين، و أنّه هل يجوز العبادة و الظواف بهما، مع كونهما محلّا لعبادة الأصنام، فأجاز سبحانه ذلك.
و قد ورد في ذلك الخبر الصحيح؛ و هو ما رواه زرارة، و محمّد بن مسلم أنّهما قالا: لأبي جعفر عليه السّلام ما تقول في الصلاة في السفر كيف هي؟ و كم هي؟
فقال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: و إذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصّلاة فصار التقصير في السفر واجبا كوجوب التمام في الحضر».
قالا: قلنا له: قال اللّه عزّ و جلّ: فليس عليكم جناح، و لم يقل: افعلوا فكيف أوجب ذلك؟
فقال: «أو ليس قد قال اللّه عزّ و جلّ في الصفا و المروة فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما، ألا ترون أن الطواف بهما واجب مفروض، لأنّ اللّه عزّ و جلّ ذكره في كتابه، و صنعه نبيّه، و كذلك التقصير في السفر شيء صنعه
[١]- ص( ٣٨): ١١.
[٢]- البقرة( ٢): ١٨٤.
[٣]- البقرة( ٢): ١٥٨.