شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٢٣٠ - حكومة أخرى فى مباحث تتعلّق بالهيولى و الصورة
و يجب أن يتحقّق هذه النّكتة لتعرف مقاصد صاحب الكتاب و يسهل عليك معرفة كلامه فى هذا الباب. و الخطأ هاهنا إنّما كان باعتبار أخذهم الجزئىّ-و هو الذّات الشّخصيّة-مكان الكلّىّ، و هو الماهيّة العقليّة.
على أنّ من التّغيّر ما يؤدّى إلى تبدّل الماهيّة . إذ لا مانع عن أن يكون السّلوك الّذي هو بحسب الاشتداد و الضّعف يتأدّى إلى واسطة تخالف الطّرفين فى الحقيقة، كالحمرة بين السّواد و البياض. فإنّ الفطرة السّليمة تحكم بأنّها ليست بسواد ضعيف و لا بياض كذلك، بل لكلّ منهما بحسب الشّدّة و الضّعف مراتب منحصرة من أوّل الشّروع فيه و آخره. و إذا خرج عنها خرج عن السّواد و البياض الشّديد و الضّعيف، و وقع فى نوع آخر، كالحمرة.
و تقدير الكلام: «أنّ الماهيّة العقليّة إنّما تعمّ ذوات أشخاصها التّامّة و النّاقصة لو لم تتبدّل ماهيّة الأشخاص بالسّلوك المذكور. أمّا إذا تبدّلت، بناء على أنّ من التّغيّر ما يؤدّى إلى تبدّل الماهيّة، فلا تعمّها، كما لا يعمّ البياض و السّواد الحمرة و الصّفرة و غيرهما من المتوسّطات بينهما.»
و اعلم: أنّه قد جرت عادة الحكماء، عند ذكر «المقولات» ، أن يذكروا ما لا يقبل منها الشّدّة و الضّعف. و هو فى المشهور: الجوهر، و الكم، و بعض الكيف، و هو المختصّ بالكميّات، كالاستقامة و الاستدارة؛ و ما يقبل، و هو الباقى. و عند صاحب الكتاب: أنّ جميع المقولات قابلة لهما، و أنّ ما بيّنوا به، [من]عدم قبول المذكورات لهما، من التّحكّمات الإراديّة و الاصطلاحات العرفية. و إليه الإشارة بقوله:
و كلام المشّائين فى الأشدّ و الأضعف مبنىّ على التّحكّم، فإنّ عندهم لا يكون حيوان أشدّ حيوانيّة من غيره. إمّا لأنّ العرف لا يطلق الأشدّ على الجواهر. و ليس بشيء، لأنّ الحقائق لا تبتنى على الإطلاقات العرفيّة. و هو مغالطة لفظيّة، فإنّهم لمّا وجدوا أنّه لا يجوز أن يقال، مثلا: «خطّ كذا أشدّ خطيّة من خطّ كذا من حيث اللّغة» ، حكموا بعدم قبول الخطّ للشدّة من حيث المعنى الّذي هو تماميّة الذّات، تعويلا منهم على أنّ هذا اللّفظ لا يطلق عرفا، فلا يكون معناه حاصلا فى نفس الأمر.