شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٢٠١ - حكومة أخرى فى بيان انّ المشّائين اوجبوا أن لا يعرف شيء من الأشياء
لا يمكن تعريفه لمن لا يشاهده كما هو ، إذ لا أجزاء بسيطة له يعرّف بها. و التّعريف باللّوازم غير مفيد، كما عرفت.
و من شاهده استغنى عن التّعريف ، لأنّ تصوّره ضرورىّ يدرك بحسّ البصر، و صورته فى العقل كصورته فى الحسّ ، أى: هو بسيط ذهنىّ أيضا، كما أنّه بسيط خارجىّ، و ليس مركّبا ذهنيّا ليمكن تعريفه بالأجزاء الذّهنيّة،
فالسّواد و البياض، بل الألوان و الأصوات و الأشكال و الطّعوم و الرّوائح و سائر المحسوسات البسيطة. و إليه الإشارة بقوله : فمثل هذه الأشياء ، معرفتها ضروريّة، لا يمكن أن تعرّف بشيء أصلا. فلذلك قال : لا تعريف لها .
و الّذي يمكن تعريفها هى الحقائق المركّبة من الحقائق البسيطة، فإنّ من تصوّر البسائط متفرّقة، فلا بدّ و أن يعرف المجموع بالاجتماع فى موضع ما.
فمعرفة البسائط بذواتها و معرفة المركّبات بذاتيّاتها، كمعرفة الأبيض بأنّه جسم كثيف ملوّن بالبياض، و هى معرفة ذاتيّة. بخلاف المعرفة العرضيّة، و هى الّتي تكون بالأحوال و الأفعال و الصّفات، كمعرفة الإنسان بصوته و لونه و شكله أو كتابته و صنعته، و معرفة الجسم بسواده و بياضه و طعمه و رائحته و غير ذلك. و هو المراد من قوله:
بل قد يعرف الحقائق المركّبة من الحقائق البسيطة، كمن تصوّر الحقائق البسيطة متفرّقة، فيعرف المجموع بالاجتماع فى موضع ما . و فى نسخة: «فى موضوع ما» .
و اعلم أنّ المقولات الّتي حرّروها ، و فى بعض النّسخ «جرّدوها» ، و فى بعضها، «جزّءوها» أى: قسّموها إلى العشرة، و هى الجوهر و الكم و الكيف و الأين و متى و الوضع و الملك و الإضافة و أن يفعل و أن ينفعل، كلّها اعتبارات عقليّة من حيث مقوليّتها و محموليّتها ، لما عرفت من قبل أنّ المحمولات الكلّيّة كلّها اعتبارات عقليّة و المقولات محمولات كلّيّة، فتكون اعتبارات عقليّة.
و بعضها المشتقّ منه، أى: البسيط الّذي منه أخذ المحمول بخصوصه أيضا صفة عقليّة-كالمضاف، فإنّ الأب و الأخ، مع أنّهما اعتباران عقليّان، لكونهما محمولين