شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٥١ - الضّابط السّادس فى معارف الإنسان
و غير الفطرىّ من التّصوّرات، ما يتوقّف حصوله فى العقل على طلب و كسب، كتصوّر الملك و الجنّ؛ و من التّصديقات ما لا يكفى تصوّر طرفيه فى جزم العقل بالنّسبة بينهما، بل يحتاج إلى دليل، كقولنا: «العالم حادث أو قديم» .
و المجهول إذا لم يكفه التّنبيه و الإخطار بالبال ، كما فى كثير من البديهيّات الّتي يشتمل عليها هذا الفنّ، كما صرّح به فى التّلويحات، حيث قال: «و من الضّروريات ما ينبّه عليها دون الحاجة إلى معلوم و آلة، و كثير من هذا العلم هكذا، و يتبنى عليه غيره، فلا يحوج إلى قانون آخر، ليتسلسل» .
و ليس ممّا يتوصّل إليه بالمشاهدة الحقّة الّتي للحكماء العظماء ، كمعرفة النّفوس و العقول و الأنوار المجرّدة الحاصلة بالتّوصّل إلى مشاهدتها بطريق الرّياضات و المجاهدات دون سبيل الفكر و المقالات، إذ لا يكشف المقال عنها غير الخيال. و إذا لم يكفه التّنبيه و ليس ممّا يشاهد، فلا بدّ من اقتناصه بالفكر، و هو ترتيب أمور معلومة مناسبة ترتيبا خاصّا يتأدّى منها إلى المجهول، إذ ليس كلّ معلوم يوصل إلى أىّ مجهول كان، بل لكلّ مجهول معلومات تناسبه، هى الموصلة إليه، دون ما عداها، و ليست المعلومات المناسبة توصل إلى المجهول كيف كانت، بل لا بدّ لها من ترتيب خاصّ هو الموصل لا غير، و لهذا لم يكتف بقوله:
لا بدّ له، أى لذلك المجهول، من معلومات موصلة إليه، بل أردفه بقوله: ذات ترتيب موصل إليه، منتهية فى التّبيّن إلى الفطريّات، و إلاّ يلزم الدّور إن انتهى المعلومات الموصلة إلى المجهول فى التّبيّن إليه، و التّسلسل إن لم تنته إليه.
و لمّا كان لزوم الدّور و بطلانه ظاهرا، لامتناع توقّف الشّيء على نفسه، جنح عن بيان لزوم الدّور إلى بيان لزوم التّسلسل و قال : و إلاّ يتوقّف كلّ مطلوب للإنسان على حصول ما لا يتناهى قبله، و لا يحصل له أوّل علم ، مكتسب ، قطّ، لتوقّفه على محال، و هو حصول ما لا يتناهى فى الذّهن دفعة ، و هو محال . لحصول العلوم الكسبية لنا، و لأنّ العلوم تتنزّل من الفكر منزلة المادّة، و التّرتيب منزلة الصّورة. فصلاح الفكر يكون بصلاحهما و فساده بفسادهما أو فساد أحدهما.