شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٩٥ - فصل فى الشّرّ و الشّقاوة
أنّ هذه الملائكة الّتي هى نفوس الأفلاك لا يمكن أن تتجرّد عنها و تفارقها، و يمكن تجرّد نفوس الكاملين عن العلائق البدنيّة بالكلّيّة، و هو غاية الكمال العقلىّ، و قد وصلت إليها النّفوس الإنسانيّة الكاملة دون النّفوس الفلكيّة الملكيّة. فيكون أعلى مرتبة و أكثر منقبة منها
و اعلم أنّ فى العالم نفوسا، أفعالها ظاهرة للحواسّ، و ذواتها خفيّة عنها ظاهرة للعقول، و هى الملائكة السّماويّة و الجنّ و الشّياطين. فإنّ النّفوس المتجسّدة إذا فارقت الأجساد متهذّبة مستبصرة، و سارت فى طبقات الأفلاك مسرورة فرحانة، فتسمّى بالأرواح الطّيّبة و الخيّرة، و هى أجناس الملائكة الحافظون للعالم. و إن فارقتها غير متهذّبة و لا مستبصرة و لم تترّق إلى ملكوت السّماوات، بل (٢٥٢ تعلّقت بالعالم المثالىّ متردّدة فى طبقات الجحيم، و لها مظاهر فى هذا العالم يظهرون بها أحيانا، تسمّى بالأرواح الخبيثة و الشّريرة، و هى أجناس الجنّ و الشّياطين المفسدون فى العالم.
فصل [٤]
فى الشّرّ و الشّقاوة
فى بيان أنّ الشّرّ فى هذا العالم و الشّقاوة فى الآخرة أقلّ من الخير و السّعادة بكثير، و انّهما داخلان فى قدر اللّه الّذي هو تفصيل قضائه الأوّل، و أنّ الشّرّ و كذا الشّقاوة مرضىّ به، لا من حيث هو شرّ، بل من حيث هو لازم خيرات كثيرة، لا يمكن انفكاكها عنه، لكونه من اللّوازم الّتي ليست بجعل جاعل. و قرّره بقوله:
الشّقاوة و الشّرّ إنّما لزما فى عالم الظّلمات ، أى: العالم الحسّىّ و المثالىّ المظلمين ، من الحركات ، حركات العالمين، و الظّلمة و الحركة لزمتا ، فى عالم الظّلمات، من جهة الفقر فى الأنوار القاهرة، أى العقول، و المدبّرة ، أى: النّفوس ، و الشّرّ لزم بالوسائط . للزومه بواسطة الحركة و الظّلمة اللاّزمتين بواسطة جهة الفقر فى القواهر و المدبّرات.