شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٣٣٨ - فصل فى كيفيّة صدور الكثرة عن الواحد الأحد و ترتيبها
و أنّه علّة لوجود الموجودات، فسنبطله، فليس علّة الأنواع المحفوظة عندنا ما سمّوا عناية، و لا انتقاش صورها فى العقول، لأنّها لا تصحّ، و إليه الإشارة بقوله : و الصّور النّوعيّة المنتقشة فى المجرّدات القاهرة المطابقة لما تحتها غير صحيحة، إذ هى لا تنفعل عمّا تحتها ، لأنّ العالى لا ينفعل عن السّافل، بل الأمر بالعكس، فإنّ المعلول ينفعل عن العلّة لا العلّة عن المعلول.
و لمّا استشعر أن يقال: لم لا يجوز أن يكون الصّور النّوعيّة المنتقشة فى المجردات عن صور فى بعضها، قال : و لا تكون الصّور العارضة فى بعضها بعض المجرّدات القاهرة، حاصلة عن صور عارضة فى بعض، آخر من تلك المجرّدات الّتي هى أعلى منها، إذ لو كان كذلك فإنّه ينتهى تكثّر صور العلّية فى الصّعود إلى أن تكون تلك الصّور فى ذاته تعالى بل، إلى تكثّر نور الأنوار ، فيتكثّر تعالى عنه علوّا كبيرا.
و إذا امتنع أن تكون الأنواع المحفوظة معلول العناية أو لصور منتقشة فى المجرّدات حاصلة فيها ممّا فوقها أو ممّا تحتها ، فلا بدّ و أن يكون نوعها ، نوع هذه. الأنواع و صورتها ، قائما بذاته فى عالم النّور ثابتا ، لا يتغيّر و لا يتبدّل، و هى المدبّرة لهذه الأنواع و معيّنة بها و حافظة لها و مفيضة عليها الهيئات المناسبة، كالألوان الكثيرة العجيبة الّتي فى رياش الطّاوس، فإنّ علّتها ربّ نوعه؛ لا اختلاف أمزجة الرّيشة، على ما يقوله المشّاءون، إذ لا برهان لهم على ذلك، و لا قدرة على تعيين أسباب تلك الألوان. فالحكم بمثل هذه الأحكام-من غير مراعاة قانون محفوظ مضبوط، و وجود ربّ نوع حافظ له و لأشخاصه، مفيض عليها الهيئات المناسبة-غير صحيح.
و لمّا ثبت أنّ علل الأنواع الجسمانيّة هى الأنوار المجرّدة القاهرة، و بين الجسمانيّة تكافؤ من وجوه: منها أنّه ليس بعضها علّة بعض، و لا فيها ما هو أشرف من الآخر من كلّ وجه، بل كلّ أشرف من وجه أخسّ من آخر؛ فيجب أن يكون بين عللها-و هى الأنوار العقليّة-تكافؤ يوازى تكافؤ معلولاتها، فيلزم أن يكون