شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٥٠٥ - فصل فى بيان سبب الانذارات و الاطّلاع على المغيبات
لم يبق أثرها فى الذّكر أصلا، فلا حكم لها.
فإذا بقى أثرها فى الذّكر، كما شاهد فى الألواح (٢٥٧ العالية صريحا، فلا يحتاج إلى تأويل ، إن كان وحيا قد أدرك فى اليقظة ، و لا، إلى تعبير ، إن كان رؤيا أدركت فى النّوم.
و إن لم يبق أثرها ، فى الذّكر، كما شاهده ، بل أخذت المتخيّلة فى الانتقالات عنه، عمّا أدركته النّفس، إلى أشياء أخرى ، من الشّبه و الضّدّ و اللاّزم و المناسب، و فى نسخة: «إلى أشياء اخر» ، مشابهة أو متضادّة أو مناسبة بوجه آخر، فذلك ، سواء كان وحيا أو رؤيا ، يحتاج إلى تفسير ما و استنباط أنّ المتخيّلة من أىّ شيء انتقلت إليه.
و لأنّ الانتقال التّخيّلىّ لا يحتاج إلى تناسب حقيقىّ، بل يكفى فيه التّناسب الظّنّىّ أو الوهمىّ. و ذلك ممّا يختلف في الشّخص الواحد بحسب موضعين أو وقتين أو عادتين، فضلا عن اختلاف هذه الأمور فى شخصين، فصاعدا. فلهذا ما يختلف التّعبير بحسب الأديان و البلدان و الصّناعات و العادات، إذ كلّ منها يقتضي من الإلف و المناسبة ما لا يقضيه الآخر. و إنّما أطنبت الكلام فيه، لأنّى أردت أن أذكر خلاصة ما ذكر فى الإخبار عن الغيب، على وجه التّقسيم المردّد بين النّفى و الإثبات، لكون ذلك أضبط فى الذّهن و أعلق فى القلب
و اعلم أنّ نقوش الكائنات أزلا و أبدا محفوظة فى البرازخ العلويّة مصوّرة ، فيها، على ما سبق تقريره، و سيشير إليه إشارة أيضا و تلك النّقوش، بل الكائنات الّتي هي آثارها، هى واجبة التّكرار ، فى الأعيان، لا بمعنى أنّ المعدوم يعاد، فإنّ ذلك ممتنع، كما سيبرهن عليه، بل بمعنى عود شبيهه.
و اعتبر بالفصول الأربعة و عودها كلّ سنة، و عود كلّ منها فى السّنة القابلة إلى شبيه ما كان فى السّنة الماضية. فتكون عند المبادى العالية أحكام لحوادث تقع جملتها فى كلّ مبلغ من الآلاف الجمّة، مضبوطة، سنة بعد سنة، و دورا بعد دور، ثمّ تعود تلك الحركات بعد عبور تلك المدّة. و هى عند بعضهم ستّة و ثلاثون ألفا و أربعمائة و خمس و عشرون سنة. و فيه نظر إلى شبيه أوّلها، من غير أن ينضبط عندها أنّ هذه الضّوابط كم تكرّر مقتضاها فى العالم، فإنّ تكرّرها و استينافها فى