شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٣٦٤ - فصل فى قاعدة الامكان الأشراف على ما هو سنّة الإشراق
الضّياء و المحاسن العجيبة الغريبة الأنيقة ما أبقى متعجّبا، حيران باهتا. فأعلم: أنّى جزء من أجزاء العالم الأعلى الرّوحانيّ الشّريف الكريم، و أنّى ذو حياة فعّالة.
ثمّ ترقّيت بذهنى من ذلك العالم إلى العوالم العالية الإلهيّة و الحضرة الرّبوبيّة، فصرت كأنّى موضوع فيها، معلّق بها، فأكون فوق العوالم العقليّة النّوريّة، فأرى هناك من البهاء و النّور ما لا تقدر الألسن على وصفه و الأسماع على قبول لغته.
فإذا استغرقنى ذلك الشّأن و غلبنى ذلك النّور و البهاء، و لم أقو على احتماله، هبطت من هناك إلى عالم الفكرة، فحينئذ حجبت الفكرة عنّى ذلك النّور، فأبقى متعجّبا أنّى كيف انحدرت عن ذلك العالم، و عجبت كيف رأيت نفسى ممتلية نورا، و هى مع البدن كهيئتها. فعندها تذكّرت قول مطريوس حيث أمر بالطلب و البحث عن جوهر النّفس الشّريف و الارتقاء إلى العالم العقلىّ.
و قال شارع (١٨٤ العرب و العجم ، محمّد رسول اللّه، عليه صلوات اللّه: «إنّ للّه سبعا و سبعين حجابا من نور، لو كشفت عن وجهه، لأحرقت سبحات وجهه ما أدرك بصره» ، و فى رواية: «سبع مائة حجاب» ، و فى أخرى «سبعين ألف حجاب من نور» . و فى حديث أبى أمامة الباهلىّ: «إنّ جبرئيل قال: يا محمّد! إنّى دنوت من اللّه دنوّا ما دنوت قطّ. قال: كيف كان؟ يا جبرئيل! ! قال: كان بينه و بينى سبعون ألف حجاب من نور» . و فى حديث أبى موسى: «حجابه النّور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» . و فى رواية: «من نور و ظلمة» .
و السّبحات: جمع سبحة، و المراد بها أنوار الذّات الأزليّة الّتي إذا رآها الملائكة المقرّبون سبّحوا، لما يروعهم من جلال اللّه و عظمته. و لمّا تحيّرت البصائر و الأنظار و ارتجّت طرق الأفكار دون أنوار عظمته و كبريائه و أشعّة عزّه و سلطانه، فكانت الأنوار كالحجب الّتي تحول بين العقول البشريّة و ما وراءها، لو كشفها عن وجهه-أى ذاته-فتجلّى ما وراءها، لأحرقت عظمة جلال ذاته و أفنت ما أدركه بصره من خلقه، لعدم طاقته، و هو بعد فى الدّنيا، منغمس فى الشّهوات، متألّف بالمحسوسات، محجوب بالشّواغل البدنيّة و العوائق الجسمانيّة عن حضرة