شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٨٢ - فصل فى بيان خلاص الانوار الطّاهرة إلى عالم النّور
و دوائر عقليّة نوريّة . و إنّما شبّهها ب «الدّوائر» لكون الإشراقات إحاطيّة شبيهة بالدّوائر الفلكيّة المحيطة بعضها ببعض ، يزيد فى رونقها إشراق جلال نور الأنوار و مشاهدته ، لكونه أعظم إحاطة و أتمّ نوريّة، كما يزيد إشراق جمال نور الشّمس فى رونق إشراقات الكواكب.
و كما أنّ مدرك النّور المجرّد ، أى: و كما أنّ النّور المجرّد لأن يدرك المجرّد لا يكون إلاّ مجرّدا، إلاّ أنّه أراد أن يذكر لفظ المدرك بقرينة المدرك و الإدراك. و إدراكه و مدركه لا يقاس إلى ثلاثة الظّلمانيّات ، أى: الجسمانيّات، فإنّ القوى الجسمانيّة و إن كانت مدركة و مدركة، و لها إدراك.
لكنّ المدرك من الأنوار أفضل من المدرك من القوى، لتجرّد الأنوار عن الموادّ و انطباع القوى فيها، و كذا المدرك للأنوار، لكونه نفس المجرّدات أكمل من المدرك للقوى، لكونه الأجسام و ما يتعلّق بها،
و كذا إدراك الأنوار من إدراك القوى، إمّا لأنّ إدراك النّور، لكونه نسبة بين شريفين، أجمل من إدراك القوى، لكونه نسبة بين خسيسين، و إمّا لأنّ إدراك النور أقوى، لأنّه يدرك ظاهر الشّيء و باطنه، فإنّ الباطن عنده كالظّاهر، و ألزم بدوامه، لعدم (٢٤٥ فساده، و أكثر، لأنّ مدركه قد لا يتناهى، و أخلص إلى الكنه، لأنّه يخلّص الأشياء عن الزّوائد و يدركها مجرّدة، و أصحّ، لأنّه لا يدرك الشّيء على خلاف ما هو عليه، فلا يكذب، أصلا. و لو لا غلبة الوهم و نحوه لما حصلت العقائد الفاسدة،
بخلاف إدراك القوى الحسّيّة فى الجميع، لأنّها لا تدرك باطن الشّيء، و لا تدوم، لفسادها بفساد البدن، و لا تدرك غير المتناهى، و لا الشّيء خالصا عن الزّوائد، بل مع شوب، كإدراك اللّون مع طول و عرض و قرب و بعد إلى غير ذلك، لامتناع أن يدركها الحسّ إلاّ كذلك، و لا على ما هو عليه، بل على خلافه، فيدرك الصّغير كبيرا، و غيره من أغلاط الحسّ الّتي عرفتها.
و لو لا أنّ العقل يميّز حقّ المحسوسات من باطلها، لما حصل من الحسّ يقين قطّ، بل العقل هو الحاكم فى مدركات الحواسّ.