شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١٣
و لكلّ مجتهد، أى: مرتاض مجدّ ، ذوق نقص أو كمل ، لأنّ المجتهدين و إن اشتركوا فى وقوعهم فى المراتب العالية، لكنّهم على التّفاوت، فإن كانت المرتبة أعلاها فهو فى أكمل الأذواق، و إن كانت أدناها فهو فى أنقصها.
فليس العلم وقفا على قوم ، هو ردّ على قوم يقولون: إنّ الحكمة كانت عند الأوائل، و كذا التّصوّف، و إنّ الأواخر لا يبلغون إلى مراتب الأوائل، ليغلق بعدهم باب الملكوت و يمنع المزيد عن العالمين ، أى: و يمنع عنهم أن يزيد المتأخّر على المتقدّم.
ثمّ أضرب عن ذلك بقوله : بل واهب العلم ، أى: العقل الفعّال ، الّذي هو بالأفق المبين، أى: فى أفق عالم العقل، و هو حدّه و نهايته ، ما هو على الغيب بضنين أى: على ما غاب عنك، بل عن الأوائل من الأمور الخفيّة و الإنذارات الكونيّة ببخيل. و شرّ القرون ما طوى فيه بساط الاجتهاد ، أى: السّير و السّلوك إلى اللّه تعالى. لأنّ خيرها ما بسط فيه بساطه. و لهذا قال النّبيّ عليه السّلام: «خير القرون قرنى» ، لأنّه كان [فيه]أجلّ المجتهدين، ثمّ الّذي يليه، لأنّ فيه بقيّة من أصحابه، و هكذا يقلّ الخير و يضعف الاجتهاد بتزايد القرون. و القرن ثمانون سنة، و قيل: ثلاثون سنة. و إنّما ذكر البساط، لأنّه ممّا يجلس عليه و يتمكّن عند القعود عليه من الأمور الاجتهاديّة و غيرها.
و انقطع فيه سير الأفكار ، [أى: سيرها]المؤدّى إلى الحكمة البحثيّة، لأنّ الفكر ترتيب أمور معلومة مناسبة ترتيبا خاصّا ليتأدّى منها إلى المجهولات، و انحسم باب المكاشفات ، [أى: انسدّ بابها]المؤدّى إلى الحكمة الذّوقيّة الّتي هى معاينة المجرّدات و أحوالها العقليّة. و المكاشفة: ظهور الشّيء للقلب باستيلاء ذكره من غير بقاء الرّيب، أو حصول الأمر العقلىّ بالإلهام دفعة من غير فكر و طلب، أو بين النّوم و اليقظة، أو ارتفاع الغطاء، حتّى يتّضح جليّة الحال فى الأمور المتعلّقة بالآخرة اتّضاحا يجرى مجرى العيان الّذي لا يشكّ فيه، و انسدّ طريق المشاهدات. المشاهدة أخصّ من المكاشفة، و الفرق بينهما ما بين العامّ و الخاصّ،