شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٥٠١ - فصل فى بيان سبب الانذارات و الاطّلاع على المغيبات
فلا مانع أن يقع مثل ذلك النّيل فى حالة اليقظة و الصّحّة، إلاّ ما إلى زواله سبيل، و لارتفاعه إمكان، كالاشتغال بالمحسوسات، لأنّه مانع يمكن زواله. و يدلّ على ذلك إنذارات الأنبياء، و المجرّدين من الأولياء و المتألّهين.
و لأنّ المقتضى لأمر نوعىّ، كالنّفس المقتضية لنوع الاتّصال بعالمها إذا عاقه عائق نوعىّ، كالاشتغال بتدبير البدن، ثمّ يوجد شخص من المقتضى تمكّن ممّا كان معوّقا عنه، فذلك التّمكّن إمّا لضعف فى العائق على التّفصيل المذكور فيه، أو لقوّة فى المقتضى.
و هى إمّا قوّة أصليّة، كما للأنبياء، فإنّهم لقوّة نفوسهم لا يمنعهم اشتغالهم بالبدن عن الاتّصال بالعالم العلوىّ و اكتساب العلم الغيبىّ منه فى حالة الصّحّة و اليقظة، بل يجمعون بين الأمرين، لما فى نفوسهم من القوّة الّتي تسع للجانبين؛ أو قوّة مكتسبة، كملكة الأبرار و الأولياء (٢٥٥ الحاصلة لهم بالرّياضات المختصّة بهم.
و إنّما يطّلعون على المغيّبات، لأنّه لا حجاب بين الأنوار الإسفهبذيّة الإنسانيّة و بين الإسفهبذيّة الفلكيّة، سوى شواغل الحسّ الظّاهر و الباطن. فإذا ارتفع حجاب الشّواغل انطبع فى الإسفهبذيّة الإنسانيّة ما فى الإسفهبذيّة الفلكيّة من صور الكائنات، لا سيّما ما هو أليق بتلك النّفس من أحوالها و أحوال معارفها من الأهل و الولد و البلد و غير ذلك، و يكون انطباعها فى النّفس عند الاتّصال بها، كانطباع صورة من مرآة فى مرآة أخرى تقابلها عند ارتفاع الحجاب بينهما.
و أمّا أنّه لا حجاب سوى الشّواغل البدنيّة، فلقوله : فإنّ النّور المجرّد، عن المادّة، كالنّور الإسفهبذيّ الإنسانىّ ، إذا لم يكن متحجّبا و جرميّا، فلا يتصوّر أن يكون بينه و بين الأنوار المدبّرة الفلكيّة حجاب سوى شواغل البرازخ . إذ غيرها من الحجب إنّما هو من خواصّ الأبعاد، و لا بعد للمجرّدات، و لا جهة لها، لأنّهما من لوازم المادّة.
و النّور الإسفهبذ، الإنسانىّ، حجابه شواغل الحواسّ الظّاهرة و الحواسّ الباطنة. فإذا تخلّص ، النّور الإسفهبذ، لقوّته أو لضعف العائق، عن الحواسّ الظّاهرة و ضعف الحسّ الباطن، تخلّصت النّفس ، الإنسانيّة ، إلى الأنوار ، أى إلى الاتّصال بالأنوار،