شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٨
العلميّة، و لا أجدر [منه]بأن تبذل له أسرار الدّقائق الحكميّة، سيّما إذا كان تحفة لا يخلقها الجديدان و لا يغيّرها الملوان، بل تبقى بقاء الدّهور، و لا تنفى بكرور الأعوام و الشّهور، إذ ليس علما يتعلّق بفروع الأديان ليختلف باختلاف الزّمان و المكان.
هذا و إن كنت فى إهدائه إلى عالى حضرته و سامى سدّته كمن أهدى إلى الشّمس ضياء و إلى السّماء سناء، لأنه بفكره النّقاد و خاطره الوقّاد فاز بما لم يفز به أبناء زمانه و وصل الى ما تقاصر عنه أكثر أقرانه. و قد فارق التّحصيل و الرّأى الأصيل من تعرّض لعرض التّنزيل على جبرئيل، أو زاخر البحر الطّامى بجريعة لا تروّى غلة، و طاول الطّود الشّامخ بأكيمة لا توارى ظلّة. فغاية من عرف قدره و سبر غوره أن لا يتعدّى طوره، فإنّ ما جاوز حدّه شابه ضدّه.
فالمرجوّ من كمال كرمهم (٥ و حسن شيمهم أن ينظروا فيه بعين الرّضا، ليفوزوا و منه بالغاية القصوى، و أن يصلحوا ما يعثرون عليه من سهو، ترحّما، لا احتراما، و إذا مرّوا باللّغو مرّوا كراما، و أن لا يتمسّكوا إذا اطّلعوا فيه على دقائق منهم استفدنا و حقائق هم أفاضوا علينا: بأنّ هذه بضاعتنا ردّت إلينا، على ما قيل: لا تنكرنّ إذا أهديت نحوك من علومك الغرّ أو آدابك النّتفا
فقيّم الباغ قد يهدى لمالكه برسم خدمته من باغه التّحفا
و اعلموا، إخوان الحقيقة و التّجريد و أعوان الطّريقة و التّفريد، أنّ من كان بعلم مشعوفا و وكده إلى تعاطيه مصروفا، يكره سماع ما لا يلائم علمه و لا يعجبه سوى ما تلقّاه و تعلّمه، إلاّ أن يكون الرّجل محصّلا حصيفا و مميّزا منصفا، ثمّ مع ذلك للحقّ طالبا، و عن طريق اللّجاج و العناد ناكبا، و يكون غرضه تحصيل الحقيقة و تسكين القلب بنيل الوثيقة، لا تصوير الظّنّ بصورة اليقين، متعلّقا بأقاويل المتأخّرين. فمن المحال دفع العيان بالخبر و تفضيل السّمع على البصر.
و هذا موصوف عزيز المرام، قليل الوجود فى الأنام.
لكن مع علمى بهذا، و بأنّ من صنّف فقد استهدف، و من ألّف فقد استقذف،