شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٥٢٢ - فصل وارد آخر
كان الاعتزال عن الجسمانيّات أكثر، كانت الغاشية أخفّ، و سكرات الموت أسهل، و كلّما كان أقلّ، كانت أثقل و أشدّ.
و كم من قرن عصوا رسالات ربّهم، فأخذهم قهره، بطمس أدبارهم ، أى: بنفى آثارهم، فانقلبوا إلى مصرع السّوء، أى: إلى أبدان دنسة و أجسام نجسة، متعذّبين بها، لما تمكّن فيهم، من الهيئات و الملكات الرّديّة التّابعة لسوء الأعمال ، يدبّون، كما تدبّ الحشرات، على النّار ، الّتي هى عالم الكون و الفساد ، و يتمنّون الرّجعى إلى القوالب الإنسيّة الّتي فارقوها . و حرام فى الرّقيم الأوّل ، أى العقل الأوّل، الّذي هو أوّل رقم من كتاب اللّه ، عود الفاجرين إلى الأوطان ، البدنية، و المعاقل الكونيّة.
ظنّ الّذين اقترفوا الخطيئات أن تنالهم رحمة افق المجد ، أى: رحمة اللّه الّتي لا تصل إلى المقيمين على عمل الخطيئات، دون أن يأخذوا سفر اللّه، أى: كتابه و ما فيه ، بجدّ ، باجتهاد. و ذلك (٢٦٦ بأن يجعله أمامه و يواظب على ما فيه من العلم و العمل. و له أسفار كثيرة: منها الكتب المنزلة المرشدة إلى طريقى العلم و العمل، و منها الأجرام الكثيفة المنتقشة بالكائنات، و منها العقول العالمة بها، و أعظمها و أتمّها هو مجموع الوجود، و دون ، أن يخشوا مكر القدر ، و هو تفصيل ما قضى اللّه فى الأزل، يوم القفول من الدّار ، أى: الهياكل البدنيّة الّتي فارقوها، إلى عرصة الهيبة، أى الى البرازخ الهائلة الرّاجعة إليها النّفوس بعد الموت
و سيرى الجاحدون، للمعاد، عند البرزة ، عن الأبدان الّتي هى مقابر النّفوس على الحقيقة ، سطوة، أى: حملة عظيمة هائلة ، لا يدفعها دافع و لا يبقى معها الإنكار ، للمعاد.
جعل اللّه فى البسيطة، أى أرض البدن ، سبعا من المسالك، خمس منها الحواسّ الظّاهرة، و سادسها القوّة المتخيّلة من الحواسّ الباطنة. سابعها [القوّة العقليّة الّتي بها يدرك]عالم الأنوار المجرّدة ، و عند السّابع تقرّ عين كلّ سالك سيّار ، لوصوله إلى عالم الأنوار و خلاصه عن الظّلمات.
و الّذين ينهجون السّبيل ، إلى اللّه من السّالكين ، ليقضوا ما سطر اللّه عليهم فى الكتابة الأولى ، أى: ما قدّر عليهم فى الأزل مسطورا فى الأنوار المجرّدة العقليّة ، و