شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٣٢١ - فصل فى بيان أنّ حركات الأفلاك اراديّة و فى كيفيّة صدور الكثرة عن نور الأنوار
المارّ فيها، لتخلّل السّكون بين أجزاء حركته. و الفرق بينها و بين القسريّة أنّ القسريّة و إن كانت أيضا بأمر خارج عن الجسم و القوى المختصّة به، فإنّ القابل لها هو الجسم نفسه، و الحركة بالعرض لا يكون الشّيء قابلا لها بنفسه، بل بتوسّط حاويه و محلّه.
و شيء منها بالذّات، و هو ما يكون القابل لها الشّيء بنفسه ، كالمارّ فى السّفينة على خلاف حركتها، فيقبل أحدهما بذاته ، و هو حركة المارّ نفسه على خلاف حركتها، و الآخر بتوسّط ما هو فيه ، و هو حركة المارّ بتوسّط حركة السّفينة.
و إذا تبيّن ذلك ، فلا تكون الحركة اليوميّة الّتي اشترك فيها جميع البرازخ السّماويّة إلاّ من محيط ، متحرّك و محرّك لجميع الأفلاك بالعرض، لاستحالة أن يكون من محاط . و لكلّ واحد حركة أخرى ، بالذّات، و هى الخاصّة به ، و محرّك كلّ واحد من هذه البرازخ حىّ بذاته ، لكون حركته إراديّة، كالمحرّك لأبداننا، و كلّ ما هو كذلك، فهو مدرك لذاته، و ما هو كذلك فيكون نورا مجرّدا ، قائما بذاته، ناطقا مدركا للمعقولات، مثل نفوسنا.
و الفرق: أنّه ليس للأفلاك ميل يخالف ميل نفوسها، فلها ميل واحد. بخلاف أبداننا، فإن لها ميلا يخالف ميل نفوسنا، لأنّ ميل أبداننا إلى جهة المركز و ميل نفوسنا قد يكون إلى تلك الجهة، كالنّازل من علو إلى سفل، و قد يكون إلى خلافها، كالصّاعد من تحت إلى فوق.
و يلوح لك من هذا ، أى من كون محرّكات الأفلاك أنوارا مجرّدة، أيضا أنّ البرازخ مقهورة للأنوار ، المجرّدة النّفسيّة و العقليّة لتحريكها تلك الحركات الدّائمة المستمرّة على وتيرة واحدة ، و الأفلاك آمنة من الفساد ، لأنّ كلّ كائن فاسد لا بدّ له من حركة مستقيمة.
أمّا عند الكون، فلوجوب حركة أجزائه بالاستقامة عن أماكنها إلى مكان المركّب المتكوّن. و أمّا عند الفساد، فلتفرّق الأجزاء و انفصال بعضها عن بعض بالحركة المستقيمة إلى أماكنها. و لأن الحركة المستقيمة إنّما تكون عن ميل