شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤
بها يصير سعيدا، بل ما تزيدهم عن الحقّ إلاّ نفورا، «يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً» [البقرة،٢٦]. و هذه جمل لها تفصيل، و تنزيل يتبعه تأويل، و لكنّ الجاهل ظلوم، و الإنصاف فى النّاس معدوم.
و لا الّتي عليها المشّاءون، أصحاب المعلّم الاوّل، أرسطوطاليس، لضعف قواعدهم و بطلان معاقدهم-على ما يتبيّن فى تضاعيف شرح هذا الكتاب عند تمييز القشر عن اللباب-هذا مع رفضهم بالكلّيّة الحكمة الذّوقيّة، لاشتغالهم بالفروع عن الاصول، و نقضهم [الحكمة]البحثيّة بكثرة الرّدّ و القبول. كلّ ذلك لحبّ الرّئاسة و الفضول. و لذلك حرموا عن الوصول، أعنى معاينة المعانى مشاهدة، و مشاهدة المجرّدات مكافحة، لا بفكر و نظم دليل قياسىّ و لا باعتمال و نصب تعريف حدّىّ أو رسمىّ، بل بأنوار إشراقيّة متناوبة متتالية تسلب النّفس عن البدن و تبين معلّقة، لتشاهد تجرّدها و ما فوقها من المجرّدات و تنتقش بما انتقشت به كانتقاش المرآة من مقابلة المرآة.
و لا يعدّ الإنسان من الحكماء ما لم يطّلع على الجهة المقدّسة الّتي هى الوجهة الكبرى، و لا من المتألّهين ما لم يصر بدنه كقميص يخلعه تارة و يلبسه أخرى. ثمّ إذا خلع، فإن شاء عرج إلى النّور و إن شاء ظهر فى أيّة صورة أراد من عالم الزّور. و إنّما تحصل هذه القدرة و أمثالها بالنّور الشّارق و الوميض البارق. أ لم تر أنّ الحديدة الحامية تتشبّه بالنّار بمجاورتها و تفعل فعلها. فلا تتعجّب من نفس استشرقت و استضاءت بنور اللّه، فأطاعها الأكوان طاعتها للقدّيسين، فتومئ، فيحصل الشيء بإيمائها، و تتصوّر، فيقع على حسب تصوّرها. لمثل هذا فليعمل العاملون، و فى ذلك (٣ فَلْيَتَنٰافَسِ اَلْمُتَنٰافِسُونَ. [المطففين،٢٦].
فانتبهوا عن رقدة الطّبيعة، أيّها الغافلون، و انتهزوا الفرصة، أيّها المستبصرون، و حصّلوا، بتحلية النّفس بالفضائل الرّوحانيّة و تخليتها عن الرّذائل الجسمانيّة، قوّة عقليّة ترقى بها نفوسكم الى عالم الملكوت لتنتظم فى سلك سكّان الجبروت، فتخلص من الرّقّ و الحدثان، و تستغنى عن البيان بالعيان، [و تتلقّى