شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٢٩٠ - حكومة فى أنّ ادراك الشّيء نفسه هو ظهوره لذاته
الهيولى ليس لها تخصّص إلاّ بالهيئات الّتي سمّوها صورا. و الصّور إذا حصلت فينا، أدركناها و ليست الهيولى فى نفسها إلاّ شيئا ما مطلقا أو جوهرا ما عند قطع النّظر عن المقادير و جميع الهيئات كما زعموا. و لا شيء فى حدّ نفسه أتم بساطة من الهيولى، سيّما إنّ جوهريّتها هى سلب الموضوع عنها كما اعترفوا به . من أنّ الجوهر موجود لا فى موضوع، مع أنّ الموجود أمر اعتبارىّ، و الباقي سلبىّ خارج عن ماهيّة الهيولى، و كذا سائر الصّور و الاعراض، فلم يبق إلاّ شيء ما مطلقا مجرّدا عن المادّة.
فلم ما أدركت ذاتها لهذا التّجرّد عن الحوامل و الأجزاء؟ و لم ما أدركت الصّور الّتي فيها، على أنّا بيّنا (١٤٦ حال الجوهريّة و الشّيئيّة، و أنّ أمثالها اعتبارات عقليّة لا وجود لها في الأعيان، فيلزم أن تكون الهيولى اللاّزم على رأيهم أنّه شيء ما أو جوهر ما، أمرا عقليّا. و إذ ذاك فيستحيل وجودها فى الخارج، فضلا عن حلول الصّورة فيها. و الغرض منه زيادة التّشنيع على مذهبهم، و إلاّ فهو خارج عن مقصود الفصل.
ثمّ قال هؤلاء ، المشّاءون: إنّ مبدع الكلّ ليس إلاّ مجرّد الوجود ، إذ وجوده عندهم نفس ماهيّته. و إذا بحث عن الهيولى على مذهبهم، رجع حاصلها إلى نفس الوجود، إذ التّخصّص إنّما هو بالهيئات الجوهريّة كما سبقت. و ليس شيء ، في الوجود ، هو نفس الماهيّة مطلقا؛ بل ثبت . و فى بعض النّسخ: «بل إذا ثبت» ، خصوص، فيقال: إنّه ماهيّة أو موجود. و الهيولى لا تبقى ، على رأيهم، إلاّ ماهيّة ما أو وجودا ما. فافتقارها إلى الصّور إن كان لنفس كونها موجودا ما. فكان واجب الوجود كذا ، لكونه موجودا ما تعالى أن يكون كذا. و إذا كان واجب الوجود يعقل ذاته و الأشياء لمثل هذه البساطة، المذكورة فى الهيولى، و هى أنّه موجود ما ، فكان يجب أيضا فى الهيولى ، أن تعرف ذاتها و الأشياء ، لأنّها موجود فحسب، و بطلان هذه الأقاويل ظاهر.
فثبت: أنّ الّذي يدرك ذاته هو نور لنفسه، و بالعكس . و هو أنّ كلّ ما هو نور لنفسه يدرك ذاته.
و إذا فرض النّور العارض مجرّدا عن الموادّ و هى محلّه الّذي عرض له، كان