شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٣٦٣ - فصل فى قاعدة الامكان الأشراف على ما هو سنّة الإشراق
هو الكشف و المشاهدة أوّلا، ثمّ الاحتجاج عليها بما ذكرنا من الأدلّة ثانيا. و المثل الّتي أبطلها المتأخّرون هى أن تكون الإنسانيّة مجرّدة موجودة فى الأعيان مشتركة بين جميع أشخاص نوع الإنسان، بحيث يكون فى كلّ واحد من أشخاصه إنسان محسوس فاسد و آخر معقول باق دائم لا يتغيّر أبدا. و هو باطل لا يقول به جاهل، فضلا عن فاضل، كأفلاطون.
و قال أفلاطون: «إنّى رأيت عند التّجرّد أفلاكا نورانيّة» ، أى: عقولا مجرّدة يحيط الأشدّ منها نورا بالأضعف نورا، إلى آخر المراتب، كالأفلاك المحيطة بعضها ببعض، فلهذا سمّاها بالأفلاك تجوّزا . و هذه، اى الأفلاك النّوريّة، الّتي ذكرها بعينها السّماوات العلى الّتي يشاهدها بعض النّاس فى قيامتهم ، كما اشير إليه في الكتاب الإلهيّ. «يَوْمَ تُبَدَّلُ اَلْأَرْضُ غَيْرَ اَلْأَرْضِ وَ اَلسَّمٰاوٰاتُ وَ بَرَزُوا لِلّٰهِ اَلْوٰاحِدِ اَلْقَهّٰارِ» ، (ابراهيم،٤٨ .
و ممّا يدلّ على أنّهم يعتقدون، أنّ مبدع الكلّ نور و كذا عالم العقل، ما صرّح به أفلاطون و أصحابه: أنّ النّور المحض هو عالم العقل و حكى عن نفسه «أنّه يصير فى بعض أحواله بحيث يخلع بدنه و يصير مجرّدا عن الهيولى، فيرى فى ذاته النّور و البهاء، ثمّ يرتقى إلى العلّة الإلهيّة ، و فى بعض النّسخ: «إلى العلّة الأولى الإلهيّة» المحيطة بالكلّ. فيصير كأنّه موضوع فيها، معلّق بها، و يرى النّور العظيم فى الموضع الشّاهق الإلهيّ» ، حكى عن نفسه : ما هذا، المذكور ، مختصره، إلى قوله «حجبت الفكرة عنّى ذلك النّور» .
و أصل هذه الحكاية و إن نقل فى بعض الكتب عن أرسطو، لكنّ الأشبه أن يكون عن أفلاطون، كما ذكره المصنّف هاهنا. و فى التّلويحات عنه أنّه قال:
«إنّى ربّما خلوت بنفسى كثيرا عند الرّياضات و تأمّل أحوال الموجودات المجرّدة عن الماديّات، و خلعت بدنى جانبا، و صرت كأنّى مجرّد بلا بدن، عرىّ عن الملابس الطّبيعيّة، فأكون داخلا فى ذاتى لا العقل غيرها و لا انظر فيما عداها و خارجا عن سائر الأشياء، فحينئذ أرى فى ذاتى من الحسن و البهاء و السّناء و