شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٦
مؤثرا الافتراق على الاجتماع، فما لأيّام القطوع مثل الانقطاع.
و ألجأنى الإقلال بعد الإكثار، و الإعسار بعد اليسار، و خلوّ الدّيار عمّن يعرف قدر الفضيلة و ينعش عثار الأحرار، إلى أن استترت بالخمول و الانكسار، و انزويت فى بعض نواحى هذه الدّيار، متوفّرا على فرض أؤدّيه و تفريط فى جنب اللّه أسعى فى تلافيه، لا على درس ألقيه أو تأليف أتصرّف فيه.
إذ شرح المشكلات و تقرير المعضلات و استخراج العلوم و الصّناعات و ثبت ما يتحقّق من المباحثات، إنّما يحتاج إلى مزيد تجريد للعقل و تمييز من الذّهن و تصفية للفكر و تدقيق للنّظر و انقطاع عن الشّوائب الحسّيّة و انفصال عن الوساوس العاديّة.
و كلّ ذلك منوط بالأمن و الأمان، الّذي هو مربوط بعدل السّلطان، إذ العدل أصل كلّ خير و مدفع كلّ شرّ و ضير، به تدوم عناصر العالم على صفة الاعتدال، و تقوم السّنة باستواء فصولها مصونة عن الاختلال. و لمّا ضاعت السّير العادلة، و شاعت الآراء الباطلة، و اندرس الدّين و مناره، و انطمس الحقّ و آثاره، عملت بقول الغزّىّ، شعر:
قالوا: بعدت و لم تقرب، فقلت لهم: بعدى عن النّاس فى هذا الزّمان حجى
إذا خروجك لم يخرجك عن كرب (٤ حسدت من كان حلس البيت ما خرجا
كم عالم لم يلج بالقرع باب منى و جاهل قبل قرع الباب قد ولجا
قعدت فى البيت إذ ضيّعت منتظرا من رحمة اللّه بعد الشّدّة الفرجا
إلى أن طلع من برج السّعادة بدر يتلألأ نورا و يملأ القلوب سرورا، فأصبحت الأرض آمنة الأطراف، و الدّنيا ساكنة الأكناف، و هو الصّاحب العالم العادل، المشرق من جبينه نور الهدى، المرتفع بيمينه أعلام التّقى، المخجل البحر الخضمّ بفضله، و الغاديات ببرّه و سخائه، جمال الملّة و الدّين، غياث الإسلام و المسلمين، عليّ بن محمّد الدّسجردانىّ، الجامع بين الفضيلتين، العلميّة و العمليّة، الحاوى للرئاستين، الدّينيّة و الدّنيويّة، رئاسة طبيعيّة لا وضعيّة، و حقيقيّة لا