شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١٧٦ - مقدّمة
بالرّتبة، و عرّف التّقدّم بالرّتبة: بأنّه كون أحد الشّيئين بالنّسبة إلى مبدأ محدود أقرب من الآخر، و هو المتأخّر، و ليس تقدّم بعض أجزاء الزّمان على بعض بالرّتبة، على ما ظنّ، بل بالطّبع، لما ستعلم من انتهاء الحوادث كلّها إلى الحركة الدّوريّة، فتقدّم جزء منها مفروض على جزء آخر منها مفروض، هو تقدّم بالطّبع. فإنّه لو لا الحركة من أ إلى ب، ما صحّ الحركة من ب إلى ج، إذ كيف يتحرّك ممّا لم يصل إليه. فكذا مقدار هذه الحركة، و هو الزّمان الّذي لا يزيد عليها فى الأعيان. على أنّ الزّمان و كذا الحركة شيء واحد، لا أجزاء له فى الحقيقة بغير الفرض، ليصدق على بعضها التّقدّم و التّأخّر.
أو شرفىّ بحسب صفات الأشرف ، كتقدّم المعلّم على المتعلّم، بحسب كثرة فضائله بالنّسبة إلى المتعلّم.
و جزء العلّة قد يتقدّم زمانا ، كالخشب على الكرسىّ، و هو العلّة المادّيّة، و الواحد على الاثنين . و قد يتقدّم تقدّما عقليّا ، أى: لا زمانيّا، كتقدّم صورة الكرسىّ، و هى العلّة الصّوريّة، عليه، لأنّه ليس بالزّمان، لكون الشّيء مع العلّة الصّوريّة بالزّمان، بل بالطّبع، و هو تقدّم كلّ ما يمتنع بعدمه الشّيء و لا يجب بوجوده وحده، فيتناول جميع أجزاء الشّيء و شرائطه.
و منه يعلم أنّ تقدّم الجوهر على العرض بالطّبع. و ليس تقدّم الواحد على الاثنين بالزّمان، لأنّهما قد يكونان معا بالزّمان، كتقدّم الواحد الأوّل على الاثنين، المركّب منه و من الصّادر الأوّل. و مع ذلك يعقل أنّ الواحد قبل الاثنين، فهو بالطّبع. و اشترك ما بالطّبع مع ما بالذّات فى تقدّم ذات شيء على ذات آخر، فإنّ العلّة يجب تقدّمها على المعلول بذاتها، سواء كانت تامّة، و هى المتقدّمة بالذّات، أو غير تامّة، و هى المتقدّمة بالطبع.
و إطلاق لفظ المتقدّم على الباقى بالمجاز و العرض، لا بالحقيقة و الذّات، فإنّ المتقدّم بالزّمان ليس التّقدّم له، بل لأجزاء الزّمان المفروضة. فإنّا إذا قلنا: إنّ موسى أقدم من عيسى، عليهما السّلام، فمعناه: أنّ زمان موسى أقدم من زمان عيسى.