شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٤٥ - فصل فى أنّ الحواسّ الباطنة غير منحصرة فى الخمس
و لأجل ذلك ما يصطاد الحيوانات البريّة، كالوحوش و السّباع؛ و البحريّة كالحيتان و طيور الماء بالنّيران و الأضواء الموقدة فى السّفن و غيرها، فى اللّيالى المظلمة، لأنّها إذا رأت الأنوار لم تملك نفسها، لشدّة عشق النّفوس لها، بل ألقت نفسها عليها، فرحانة مسرورة بها، غافلة عن الأعداء الموقدين لها، فتدهش و تتحيّر، كالغائبة عن نفسها، فيؤخذ بأيديهم من غير كلفة و تجشّم. كذلك النّور الإسفهبذ. لمّا رأى ضوء سراج البدن تعلّق به، و إن كان البدن و قواه من أعدى عدوّه.
فالنّور الإسفهبذ، و إن لم يكن مكانيّا و لا ذا جهة، إلاّ أنّ الظّلمات الّتي فى صيصيته، أى: القوى البدنيّة مطيعة له ، لشدّة العلاقة الّتي بين النّفس و البدن، و لكونها فروعا له، على ما عملت. و أنت بعد أن رأيت علاقة بين الحديد و المغناطيس و تحريكا فلا تعجّب من هذا.
و لمّا فرغ من بيان مناسبة النّور و الرّوح، أراد أن يذكر بعض أحوال القوى الباطنة و أنّها ليست خمسا. على ما زعم جماعة المشّائين، فشرع أوّلا فى بيان أن التّذكّر للأمور المنسيّة ليس باسترجاع النّور المدبّر إيّاها من الحافظة الّتي هى خزانة الأحكام الوهميّة، و محلّها البطن الأخير من الدّماغ، كما هو رأى المشّائين، بل باسترجاعه إيّاها من مواقع سلطان الأنوار المجرّدة الفلكيّة الّتي لا تنسى شيئا، كما هو رأى الإشراقيّين، على ما صرّح به رئيسهم، بل رئيس الكلّ الإلهيّ أفلاطن: «إنّ الذّكر إنّما هو من العوالم الفلكيّة و النّفوس القدسيّة العالمة بجميع الأشياء الثّابتة و الماضية و المستقبلة» و استدلّ على صحّة ما اختاره بقوله:
فصل [٧]
فى أن الحواس الباطنة غير منحصرة فى الخمس
و اعلم: أنّ الإنسان إذا نسى شيئا ربما يصعب عليه ذكره حتّى أنّه يجتهد عظيما و لا يتيسّر له ، و فى بعض النّسخ: «و لا يتبيّن له» ، ثمّ يتّفق أحيانا أن يتذكّر ذلك بعينه . و فى بعض النّسخ: «ثمّ يبقى أحيانا ثمّ يتذكّر ذلك بعينه» .