شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١٦
البحثيّة، و ما زالت فى زيادة الفروع الغير المحتاج إليها، حتّى انطمست الأصول المحتاج إليها. و إنّما سمّى هرمس والدا، لأنّه أوّل من دون الحكمة و النّجوم و الطّلسمات و كثيرا من العجائب، ثمّ تداولت حكمته بين تلامذته و انتشرت منهم حتّى انتهت إلى هؤلاء العظماء. و لأن الأسطوانة: ما يقف و يعتمد عليها السّقوف و الأبنية. و هؤلاء الأجلّة، عليهم اعتمدت الحكمة، و بهم ثبتت قواعدها، فسمّاهم أساطين [الحكمة]استعارة.
و كلمات الأوّلين مرموزة ، فإنّ هرمس و أنباذقلس و فيثاغورس و سقراط و أفلاطن كانوا يرمزون فى كلامهم، إمّا تشحيذا للخاطر باستكداد الفكر، أو تشبّها بالبارى تعالى و أصحاب النّواميس فيما أتوا به، من الكتب المنزلة المرموزة، لتكون أقرب إلى فهم الجمهور، فينتفع الخواصّ بباطنها و العوامّ بظاهرها، و يكون بعضها سببا لردعهم عن الرّذيلة و بعضها سببا لتصوّر أمور وهميّة، تكون موجبة لسعادة وهميّة أيضا (٩ . و لو خوطبوا بصريح الحقّ لما أمكنهم فهمه، فيجحدونه، و ربما يكون ذلك سببا لهلاكهم؛ أو لئلاّ يطّلع عليها من ليس لها أهلا، فتصير الحكمة عدّة له على اكتساب الشّرور و الفجور، و يفضى ذلك إلى فساد العالم، و لئلاّ يتوانى طالبها الذّكىّ عن بذل الجهد فى اقتنائها، لظهورها، بل يقبل بالكلّيّة عليها، لغموضها. و أمّا البليد و الكسلان و من ليس لها أهلا، فيستصعبها لدقّتها، فلا ينحو نحوها. و لهذا لمّا عذل أفلاطون أرسطاليس على إظهاره الفلسفة، أجاب بأنّى و إن كنت أظهرتها و كشفتها، لكن قد أودعت فيها مهاوى و أمورا غوامض، لا يطّلع عليه إلاّ الشّريد الفريد من الحكماء، و هو إشارة إلى ما رمزه فيها.
و ما ردّ عليهم ، على الأوّلين، و إن كان متوجّها على ظاهر أقاويلهم لم يتوجّه على مقاصدهم، فلا ردّ على الرّمز ، لتوقّف الرّدّ على فهم المراد. لكنّ المراد، و هو باطن الرّمز، غير مفهوم، و المفهوم، و هو ظاهره، غير مراد. فالرّدّ يكون على ظاهر أقاويلهم الغير المرادة، دون المقاصد المرادة، فلهذا لا يتوجّه على الرّمز. و قد ذكر هذا اللّفظ بعينه-و هو أن «لا ردّ على الرّمز» -سوريانوس فى مناقضة أرسطوطاليس لأفلاطن.