شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٣٤٦ - فصل فى بيان علمه تعالى على ما هو قاعدة الاشراق
فصل [١٠]
فى بيان علمه تعالى على ما هو قاعدة الإشراق
و إبطال ما ذهب إليه المشّاءون فى علمه و عنايته أيضا
لمّا تبيّن أنّ الابصار ليس من شرطه انطباع شبح ، شبح المبصر فى الرّطوبة الجليديّة على ما يراه المعلّم الأوّل و التّابعون له ، أو خروج شيء ، من البصر يلاقى المبصرات، و هو الشّعاع على ما يراه القائلون به ، بل يكفى : فى الابصار عدم الحجاب بين الباصر و المبصر ، إذ عند مقابلة المستنير للعضو الباصر للنفس علم إشراقىّ حضورىّ على المبصر فتدركه. إذا كان عدم الحجاب كافيا فى العلم الإشراقىّ الحضورىّ، و نور الأنوار نور محض، لا يمكن احتجابه عن ذاته و لا احتجاب غيره من الموجودات العقليّة و الحسّيّة عنه. فنور الأنوار ظاهر لذاته، أى مدرك لها، على ما سبق ، بيانه فى كلّ مجرّد ، و غيره ظاهر له، فيكون مدركا له، «لاٰ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقٰالُ ذَرَّةٍ فِي اَلسَّمٰاوٰاتِ وَ لاٰ فِي اَلْأَرْضِ» ، (السّبا ٣ إذ لا يحجبه شيء عن شيء.
و إذ لم يحجبه شيء عن شيء، فيدرك جميع الأشياء بالإشراق الحضورىّ، الّذي هو أشرف أنحاء الإدراك، لا بصور فى ذاته، فيتكثّر ذاته المقدّسة و جهاته، لكونه فاعلا و قابلا، مع أنّ جهة الفعل غير جهة القبول، فلا يكون واحدا حقيقيّا
و اعلم أنه و إن تقدّم أنّ نور الأنوار ليس له صفة حقيقيّة متقرّرة فى ذاته، كالحياة و العلم و القدرة و الإرادة و السّمع و البصر، إلى غير ذلك، بل كلّها عين ذاته، أراد أن يشير هاهنا إليه بوجه آخر، و هو أنّه إذ لا يحجبه شيء عن شيء، فعلمه و بصره واحد ، و إلاّ لحجبه شيء عن شيء، كما فى المشاهد ، و نوريّته قدرته، إذ النّور فيّاض لذاته ؛ فالنّور المجرّد المحض صفاته عين ذاته.
و المشّاءون و أتباعهم قالوا: علم واجب الوجود ليس زائدا عليه- إذ لو زاد عليه، و العلم عندهم عبارة عن حصول صورة المعلوم فى العالم-لتكثّر ذاته المقدّسة، بل هو ، اى علم واجب الوجود عبارة عن، عدم غيبته عن ذاته المجرّدة عن المادّة. و