شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٢٨٩ - حكومة فى أنّ ادراك الشّيء نفسه هو ظهوره لذاته
الطّعم مجرّدا عن البرازخ، و الموادّ، لم يلزم إلاّ أن يكون طعما لنفسه، لا غير. و النّور إذا فرض تجرّده، يكون نورا لنفسه، فيلزم أن يكون ظاهرا لنفسه، و هو الإدراك. و لا يلزم أن يكون الطّعم عند التجرّد ظاهرا لنفسه ، أى مدركا لها، على ما يلزم من مذهب المشّائين، إذ ليس نورا لنفسه، ليلزم الظّهور، بل طعما لنفسه فحسب.
و لو كفى في كون الشّيء شاعرا بنفسه تجرّده عن الهيولى و البرازخ، لكانت الهيولى الّتي أثبتوها شاعرة بنفسها، إذ ليست هى هيئة لغيرها ، لتكون صفة ، بل ماهيّتها لها ، فتكون ذاتا، و هى مجرّدة عن هيولى أخرى، إذ لا هيولى للهيولى.
و لا تغيب عن نفسها، إن عنى بالغيبة ، -فى تفسيرهم، الإدراك بأنّه عدم الغيبة عن الذّات المجرّدة عن المادّة، -بعدها ، [أى]بعد الهيولى، أعنى الذّات، عن نفسها ، لامتناع بعد الشّيء عن نفسه. و على هذا تكون الهيولى شاعرة بنفسها، لكونها ذاتا مجرّدة عن المادّة غير غائبة عن نفسها.
و إن عنى بعدم الغيبة، في التّفسير المذكور، الشّعور ، بالذّات، لم يصحّ. إذ لو كان كذلك، فلم يرجع الشّعور فى المفارقات. إلى عدم الغيبة ، على ما يقوله المشّاءون، من أنّ إدراك المفارق ذاته هو عدم غيبته عنها. بل عدم الغيبة كناية و تجوّز عن الشّعور على هذا التّقدير . و هو تفسير عدم الغيبة بالشّعور، لكنّ الشّعور فيهم يرجع إليه عندهم.
و الى نفى التّالى أشار بقوله : و كان عند المشّائين كون الشّيء مجرّدا عن المادّة غير غائب عن ذاته هو إدراكه.
و الحاصل: أنّه إن عنى بعدم الغيبة الشّعور، صار التّعريف دوريّا. لتعريفهم إدراك المفارق الّذي هو شعوره بعدم الغيبة و عدم الغيبة بالشّعور، و هو واضح.
و المادّة، نفسها، كما قالوا، خصوصها إنّما يحصل بالهيئات، فهب أنّ الهيئات منعتها المادّة ، عن إدراكها نفسها، لكونها غير مجرّدة. فالمادّة ما الّذي منعها، عن إدراكها نفسها مع تجرّدها و عدم غيبتها، أى: بعدها عن ذاتها، على ما تقدّم، أو ما الّذي منعها . و الحال أنّهم اعترفوا . فهذا أولى، ليكون دليلا آخر غير ما مرّ، بأنّ