شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٢٥
بالنّفس المتخلّعة عن البدن المشاهدة للمبادى العقليّة و السّوانح النّوريّة،
و كما أنّا شاهدنا المحسوسات، كالكواكب و الأجسام الطّبيعيّة، و تيقّنا بعض أحوالها ، كرجوع الكواكب و وقوفها و استقامتها و بطء حركتها و سرعتها إلى غير ذلك، و كأشكال الأجسام الطّبيعيّة و مقاديرها و أماكنها و حركاتها و سكوناتها و سائر التّغيّرات الطّبيعيّة ، ثمّ بنينا عليها ، على تلك الأحوال المتيقّنة من المحسوسات المشاهدة ، علوما صحيحة، كالهيئة و غيرها ، من المسائل الطّبيعيّة المبنيّة على أحوال الأجسام الطّبيعيّة، كالهيئة على أحوال الكواكب ؛ فكذا نشاهد من الرّوحانيّات أشياء ، كذواتها المجرّدة و إشراقاتها و لمعانها و بعض هيئاتها النّوريّة، ثمّ نبنى عليها ، على تلك الأشياء المشاهدة من الرّوحانيّات، العلوم الإلهيّة، و الأسرار الرّبانيّة.
و من ليس هذا، أى: مشاهدة الأنوار و بناء المسائل الإلهيّة عليها، سبيله ، بل تعويله فى تحصيل العلوم على البحث و النّظر، لا على الذّوق و الكشف، فليس من الحكمة فى شيء ، إذ لا اعتماد على علمه و حكمته ، و ستلعب به الشّكوك، كما لعبت بالمعتمدين على البحث الصّرف من متقدّمى المشّائين و متأخّريهم. ألا ترى أنّهم كيف اضطربوا و تحيّروا من كثرة الأسئلة الواردة عليهم، و تخبّطوا فى القيل و القال، و تشكّك اللاّحق على السّابق، و لم يتّفقوا على شيء (١٤ ، بل «كُلَّمٰا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهٰا» (الأعراف،٣٨ . و لهذا لم يبق للأذكياء ثقة بكتبهم و لا بكلامهم، إذ لا يخلو عن الرّيب و الشّكّ، و لا يسلم عن الطّعن و القدح.
و الآلة الواقية للفكر ، و فى أكثر النّسخ: «و الآلة المشهورة الواقية للفكر» ، يعنى المنطق، لأنّه يصون الفكر عن الخطأ فى انتقالاته من المعلوم إلى المجهول، جعلناها هاهنا مختصرة مضبوطة بضوابط قليلة العدد ، لتصون الذّهن عن التّبدّد، و الخاطر عن التّبلّد ، كثيرة الفوائد ، لكونها لباب ما يحتاج إليه فى هذا الفنّ، مع تصرّفات لطيفة و تنقيحات شريفة، منها: أنّه ردّ الأشكال بل الضّروب المنتجة من كلّ شكل إلى ضرب واحد، هو المركّب من موجبتين كلّيتين ضروريّتين. و ذلك