شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ١٧٧ - مقدّمة
فالتّقدّم الحقيقىّ بين الزّمانين، و هو بالطّبع، لا بين الشّخصين، اللّهمّ إلاّ أن يكون للمتقدّم منهما مدخل فى وجود المتأخر، و حينئذ يرجع إلى التّقدّم بالطّبع، و كذا فى التّقدّم بالشّرف يجوز أيضا، إذ صاحب الفضيلة ربما قدّم فى الشّروع فى الأمور أو فى منصب الجلوس، فيرجع إلى التّقدّم الزّمانىّ أو الرّتبى الرّاجع إلى الزّمانىّ أيضا.
فإنّه إذا قيل: «بغداد قبل البصرة» فهو بالنّسبة إلى القاصد المنحدر. و لا معنى لهذا التّقدّم، إلاّ أنّ زمان وصوله إلى بغداد قبل زمان وصوله إلى البصرة. و امّا القاصد المصعد فبالعكس. و ليس أحدهما قبل الآخر بذاته و لا بحسب حيّزه و مكانه، بل بحسب الزّمان على الوجه المذكور. و منه يعلم أنّ التّقدّم ليس مقولا على الخمسة بالتّواطؤ و لا بالتّشكيك، كما ظنّ بعضهم، بل بالحقيقة و المجاز، كما بيّنا.
و إذا عرفت أنّ المتقدّم على خمسة أقسام، بالذّات و بالزّمان و بالرّتبة و بالشّرف و بالطّبع، عرفت أنّ المتأخّر كذلك، و أمثلته عين أمثلة المتقدّم. و كذلك المعيّة على خمسة أقسام، أمّا بالزّمان فظاهر كالعلّة مع المعلول، و ذلك فى غير المفارقات، لأنّها غير زمانيّة. و أمّا بالذّات، فكمعلولى علّة واحدة. و بالطّبع، كالمتكافئين فى لزوم الوجود من غير أن يكون أحدهما سببا لوجود الآخر، كالضّعف و النّصف، مثلا. و بالوضع، كمأمومين فى صفّ واحد. و بالشّرف، كمتعلّمين عند معلّم. و الجسمان لا يصحّ بينهما المعيّة المكانيّة من جميع الوجوه، لاستحالة اجتماعهما فى مكان واحد.
و هاهنا ، أى: و فى هذا المقام ، أمر آخر ، يجب أن يذكر فى المقدّمة، و هو تناهى السّلاسل المجتمعة الآحاد المرتّبة ترتيبا ما، لأنّه يبتنى عليه بعض ما نحن بسبيله، (٨٩ كما ابتنى على غيره، ممّا ذكره فى المقدّمة، و لهذا قال: «آخر» .
و اعلم، أنّ كلّ سلسلة فيها ترتيب، أىّ ترتيب كان، أى: سواء كان وضعيّا، كما فى الأجسام، أو طبيعيّا، كما فى العلل و المعلولات، و نحوها من الصّفات و