شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٥
المعارف من نفوس الأفلاك،]و تتصرّف فى العنصريّات تصرّف الملاك فى الأملاك.
و من أراد تحصيل هذه المرتبة و الوصول إلى هذه المنزلة، فعليه بمطالعة هذا الكتاب و تحقيق مبانيه و الإتيان بما اشترط على قارئيه، على ما سيتّضح عند الإحاطة بمعانيه، و من جرّب صدّق، و من ارتاض حقّق.
و لأنّ هذا الكتاب ميدان لأهل البحث و الكشف فيه جولان، و كان فى الاشتهار كالشّمس فى الرّابعة من النّهار، تداولته النّظار، و تسابقت فى ميادينه جياد الأفكار، و انتقده يد الاختبار و استحسنه طبع الصّغار و الكبار، و مع هذا لم يخرج لأحد من [الحكماء]و إن كثر فيه أقاويل العلماء، بل كان على ما كان، من كونه كنزا مخفيّا و سرّا مطويّا، كدرّة لم تثقب، و مهرة لم تركب، لأنّه كتاب غريب فى صنفه، عجيب فى فنّه، يضاهى الألغاز، لغاية إيجازه و إن كان يحاكى الإعجاز، لحسن إيراده و [إبرازه].
فأبت نفسى أن تبقى تلك البدائع و الرّوائع، الّتي هى لبّ العلم و الحكمة و خلاصة السّير و السّلوك، تحت غطاء من الإبهام و فى خفاء من الأفهام، فرأيت أن أشرحه شرحا يذلّل من اللّفظ صعابه، و يكشف عن وجه المعانى نقابه، مقتصرا فيه على حلّ ألفاظه و توضيح معانيه و التّصريح بتحليل تركيباته و تنقيح مبانيه، بل و مجتهدا أيضا فى تقرير قواعده و تحرير معاقده و تفسير مقاصده و تكثير فوائده و بسط موجزه و حلّ ملغزه و تقييد مرسله و تفصيل مجمله، مستفيدا أكثره من بواقى مؤلّفاته و شروح مصنّفاته، حافظا فى نقل ما استفدنا منهم على استعاراتهم، حذرا من تضييع الزّمان فى تغيير عباراتهم.
فعاقنى عن ذلك ما اعترض فى أحوال الزّمان، من اختلال الأمن و الأمان، و ما قضى عليّ الدّهر الّذي لا يزال يخفض ما يرفع، و يعود على تشتيت ما يجمع، بما قضى من البلاء و الجلاء. فأزعجنى الحظّ النّاقص و الأمل النّاكص و الأنفة الطّائشة و الغبون الفاحشة، حتّى ضربت عن أبناء الزّمان صفحا، و طويت عنهم كشحا،