شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٣٧٤ - فصل فى بيان عدم تناهى آثار العقول و تناهى آثار النّفوس
بقوله : و لست ادّعى أنّ جميع النّسب محصورة فيما ذكرته .
و إنّما كان لا بدّ منه، (١٨٩ لأنّ كثرة أنواع الاجسام الحسّيّة و المثاليّة و ما بينهما، من النّسب الفاضلة و الأحوال الكاملة و التّرتيب العجيب و النّظام الغريب، تستدعى وجود موجباتها فى العالم العقلىّ، و هو تكثّر الإشراقات و تضاعف نسبها على التّرتيب العجيب و النّظام الكامل الغريب.
و لست أدّعي أنّ جميع النّسب، العقليّة، محصورة فيما ذكرته ، بل هناك ، أى: فى العالم العقلىّ و الصّقع الرّبوبىّ ، عجائب لا يحيط بها عقول البشر ما داموا متصرّفين فى الظّلمات. و هى الأبدان الظّلمانيّة و العلائق الجسمانيّة. و كلّ ما فرض من العجائب ، فى هذا العالم، فإنّ هناك ألطف و أعجب من ذلك.
و من الأدلّة على هناك أعجب من ذلك، هو أنّا عرفنا هذا القدر ، من كيفيّة فعل نور الأنوار و تدبيره المتقن و تنظيمه المحكم بأفكارنا على ما أشرنا إليه. فلو كان هناك هذا ، القدر الّذي عرفنا بأفكارنا و أشرنا إليه ، فحسب، لكنّا قد أحطنا-و نحن فى الظّلمات كالعلائق الجسميّة و العوائق البدنيّة -بتدبير نور الأنوار بقياساتنا و استنباطاتنا، و هو محال. بل كوننا فى الظّلمات مانع عن المشاهدة و رؤية العجائب.
و من طمع أن يعلم عالم الرّبوبيّة و العقل، و هو متعلّق بعالم الحسّ و علائق الجسم، فقد طمع فى غير مطمع، فإنّ الغائص فى قعر البحر لا يرى السّماء، كما يرى من هو فى الهواء.
و ما ذكرناه ، من النّسب و التّرتيب و تدبير نور الأنوار، انموذج من ذلك، و إلاّ فالإحاطة بها، و نحن فى عالم الغرية، من المستحيلات.
و اعلم: أنّه لمّا لم يتصوّر استقلال النّور النّاقص ، كأنوار الكواكب و غيرها ، بتأثير، إنارة كان أو غيرها، فى مشهد ، أى: حضور، نور يقهره، كنور الشّمس ، دون غلبة النّور التّام عليه، على ذلك النّاقص، فى نفس ذلك التّأثير، إنارة كان أو غيرها.
و اعتبر بغلبة الشّمس على أنوار الكواكب و غيرها، و صيرورتها غير محسوسة مع وجودها فى نفس الأمر و غير متمكّنة من فعل فى هذا العالم عند غلية نور